کتابخانه:شهر الله
| 200px | |
| نویسنده | محمدتقی مدرسی |
|---|---|
| زبان | عربی |
| ناشر | مؤسسه فرهنگی و اطلاع رسانی تبیان |
| محل انتشارات | قم |
| تاریخ نشر | 1387 |
| دانلود | |
محتویات
پانویس
المقدمـة
ما ان يطل شهر رمضان الكريم، إلاّ وقلوب المؤمنين تزداد إليه حنانـاً، وتهتز إليه شوقاً.. لانه ربيع القلـوب، وحياة النفوس، ومبعث الخير، ووسيلة القرب الى الله عز وجل. ان شهر رمضان الفضيل هو خير قنطرة توصلنا الى ربنا الجليل. وإنه المدرسة التي تتربى فيها قلوبنا على وعي الحقائق، وادراك المعارف، والحكمة في معالجة الحوادث.. إنه شهر يفتح الله فيه أبواب كرمه وجوده لعباده، حتى يتزودوا من بحر رحمته.. إنه شهر غلّت فيه مردة الشياطين، واغلقت فيه أبواب النيران.. إنه شهـر الانابة الى الله تعالى.. إنه شهر التوبة والغفران.. وعلى المؤمنين في كل أصقاع الأرض، ان يتزودوا من هذا الشهر المبارك؛ الذي هو محطة روحية ثرية، ومركز اثارة دفائن العقول، وموسم الفاعلية والنشاط في المجالات الانسانية والاجتماعية والثقافية.. وبكلمة إنه مدرسة الانسان. ولكي لايمضي عنا شهر رمضان، دون ان نستفيد منه في صياغة شخصياتنا على معاييره ووفق آدابه، عملنا على جمع وترتيب طائفة من محاضرات سماحة آية الله السيد محمد تقي المدرسي في اطار هذا الشهر العظيم. وذلك لما رأينا فيها من توجيهات قيمة، وارشادات مفيدة.. راجين من العلي القدير ان ينفع بها المؤمنون، ويكسبنا بذلك اجراً وثواباً، إنه ولي التوفيق..
القسم الثقافي
في مكتب آية الله المدرسي 17 / جمادي الثاني / 1418 هـ كيف نستقبل شهر رمضـان ؟ مع اطلالة شهر الله الفضيل.. شهر رمضان المبارك، يستقبل الناس هذا الشهر حسب درجة ايمانهم ومدى معرفتهم بفضائل ومكارم هذا الشهر العظيم، فبعضهم يستقبله من غرة شهر رجب الاصب، والبعض الاخر من الايام الأولى لشهر شعبان العظيم، وبعضهم من منتصف شعبان، بينما بعض منهم لا يستقبله، وانما يقتحم عليه شهر رمضان اقتحاماً دون ان يلتفت !
الاستقبال ضرورة
فهؤلاء الاصناف المختلفة من الناس يتعامل مع شهر رمضان حسب مقدرته واستيعاب وعائه للتزود من محطة هذا الشهر الروحية الربانية، فمن هؤلاء لا يعرف من معنى شهر رمضان والصيام فيه إلاّ الجوع والعطش وتناول السحور والفطور، فهؤلاء لا ينالون منه إلاّ ما كتب لهم من جوعهم وعطشهم ثم تذهب بركات وفضائل ونفحات ايام وليالي هذا الشهر سدى ودون رجعة، و يكون حالهم كحال ذلك الذي يصلي ولكن دون ان يتلذذ من زاد الخشوع في الصلاة. ففي الرواية المأثورة، جاء الى رسول الله يسأله عن الخشوع في الصلاة ؟ فأمره (صلى الله عليه وآله) ان يسبغ وضوءه، لأن الوضوء هو تمهيد للصلاة، وهو بحد ذاته بمثابة استقبال لأوامر فريضة الصلاة. وكذلك بالنسبة لأداء مناسك الحج يتوجه الحاج قبل رحيله من اهله واصدقاءه صوب بيت الله الحرام الى تطهير امواله، ابراء الذمة ممن كانوا لهم حق عليه، ثم يشد رحال السفر بقلب طاهر ومطمئن لأستقبال شهر ذي الحجة ومناسكه الفضيلة.
شهر رمضان.. محطة روحية :
لقد جعل الله لعباده نفحات ومحطات تزويد بوقود الايمان والمعرفة، حيث تقوم هذه المحطات والنفحات الروحية بدور رفع الحجب والسحب الكثيفة التي تحول بين ربط واتصال العبد بالمولى جل وعلا. وشهر رمضان هو عبارة عن تلك المحطة الربانية الكبرى التي دعا الله سبحانه عباده للاستفادة منها مجاناً، قبل ذهاب الفرصة وحلول الغصة. وهذا دليل اخر على رحمة الله بعباده ولطفه لهم، رغم قساوة قلوبهم وشقاءهم وابتعادهم عن معدن الخير والفضيلة. فليالي الجمعة المباركات والمناسبات والمواسم الدينية العظيمة كليلة النصف من شهر شعبان و.. وليالي شهر رمضان المبارك تدخل في ضمن دائرة هذه المحطات الالهية التي تدعونا للاستفادة منها واستثمارها، كيما تحدث في داخلنا نقلة وطفرة نوعية حقيقية. ولا شك اذا كانت المحطات المكانية كمسجد الحرام وجبل عرفات والمشعر الحرام ومراقد الائمة المعصومين الطاهرين عليهم السلام لها الدور المؤثر في استشعار الارتباط الوثيق بين العبد والمولى، فأن المحطات الزمانية والتي على رأسها ايام وليالي شهر رمضان هي الاخرى تكمل الدور المطلوب في هذا الصدد، بل تفتح اريجها الفواح والمعطر لتبثه وتنشره على جميع المؤمنين اينما كانوا في مشارق الارض ومغاربها. حيث تفتح ابواب السماء ببونها الشاسع واللامتناهي وتغلق ابواب النيران الكبيرة المهلكة، لتنزل الرحمة على العباد وتتنزل الملائكة في ليلة القدر التي هي خير من الف شهر لتقدر للعباد ما يرجون ويتوخون لما فيه خير الدنيا والاخرة. ان اهم عطاء يمكن ان يستفيد منه العبد المؤمن في هذا الشهر هو الاستفادة من باب المغفرة والتوبة الى الله سبحانه وتعالى بابك مفتوح للراغبين ..([1]) انك لا تحتجب عن خلقك إلاّ ان تحجبهم الاعمال دونك ..([2]) فأن كل ليلة او يوم او ساعة من ساعات هذا الشهر الفضيل تدعونا لاستثمارها عبر الرجوع والعودة الى الله سبحانه وطلب التوبة.
التوبة.. العودة الى رياض الايمان :
والتوبة تعني فيما تعني الندم والحسرة على ما فرط العبد في جنب الله، وفي محضر حكومة الله وسلطانه من ذنوبه وآثامه حتى خلفت حجباً أدت الى انقطاع العلاقة. فان الندم كخطوة اولى في باب التوبة، تعتبر وسيلة مهمة واساسية للعودة الى رياض الايمان. ان الكثير من الناس نراهم يدعي بانه تاب ولكن في حقيقته يعيش الازدواجية في شخصيته، ففي داخل قلبه يستشعر عدم اقتراف الذنب ويعيش طوال عمره في حالة التبرير والخداع الذاتي. هؤلاء حالهم كالنائم، ولكن بالموت سوف ينتبهون من الغفلة التي اصطنعوها لهم غروراً وتكبراً.. « يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلآَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ » (البقرة / 9) هـــؤلاء تنكشف الحقائــق لهم بعد فــوات الاوان، ثم يصـرخ احدهم : « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ » (المؤمنون / 99- 100) ولكـن يأتيهـم الجواب : « كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُـونَ » (المؤمنون / 100) كما تستدعي عملية التوبة من الفرد التائب هو العزم على عدم العودة اذ يترك الكثير من الناس المعاصي والاثام لفترات معينة (احتراماً) لشهر رمضان او في بعض المناسبات الدينية الحاضرة، ولكن لم يتمكنوا ان يتخذوا (قرار) التوبة الحقيقية النصوحة، فسرعان ما تنقضي المناسبة حتى يعاودون على اقتراف المحارم والآثام. فاذا أردت ان تعرف ان توبتك مقبولة وحقيقية انظر الى بعد التوبة، هل ان الاعمال الخيرية والحسنة لديك ثقيلة ام خفيفة ؟ فاذا نادى المؤذن الله اكبر.. حي على الصلاة ، فهل ستجيب جميع جوارحك بما فيها قلبك بنشاط مع النداء لتنهض مسرعا وبأقبال الى الصلاة ؟.. ان اداء عمل الخير بسهولة وبخفة بعد التوبة هو دليل على اداء التوبة بكل شروطها والعكس هو صحيح ايضاً.
شهـر المواساة
ان اهم ما فرض علينا في هذا الشهر العظيم هو المواساة للاخوان - كما في شهر شعبان - ونحن نقرأ فيه : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وأعمر قلبي بطاعتك ولا تخزني بمعصيتك وارزقني مواساة من قترت عليهم من رزقك بما وسعت علي من فضلك ..([3]) فشهر رمضان المبارك هو شهر المواساة خاصة، وان المؤمن يصوم ويمتنع عن الشهوات والأكل والطعام ليحس بألم الجياع والفقراء والمعوزين الذين هم بجوارنا. ان المواساة تعني ان تنفق بما عندك من مال او كلمة طيبة او تقديم عمل خير للآخرين.. وهذا لا يعني ان تعطي وتنفق كل اموالك للآخرين، بل يكفي جزء قليل منه لتحس بالم الاخرين وترتقي الى سلم الانسانية والكمال البشري. كما ان مواساتك للذي فقد عزيزاً، وعيادة من اصيب بمرض وداء، وارشادك للذي ضل في عمله عبر توجيهه ونصحيته لكي يتوفق في عمله الدنيوي والاخروي.. كل تلك تدخل في باب المواسات للاخوان. من هنا يقول الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) في خطبة له في آخر جمعة شهر شعبان المعظم : واتقوا النار ولو بشق تمرة ([4]) اي ان اعطاءك ولو تمرة واحدة للمستحق هي بمثابة تقوى من نار جهنم. ان كثيراً من الناس - مع الاسف - يرفل في ظل النعم التي حباها الله له، ولكن ما زال يحس بالنقص المعنوي والنفسي، فكلما زاده الله نعماً شكى وطلب الاكثر. ان الصوم يبعث فينا الشعور و الاحساس بالمسؤولية الدينية و الانسانية والرقة، ويلهمنا صفة الشكر، وضرورة دعم المحتاجين.
وصايا رمضانية :
ومن هنا فان شهر رمضان الفضيل يدعونا الى التأكيد على عدة أمور اساسية منها : 1 - لابد ان نهتم بالبعد العقائدي لانفسنا وابناء مجتمعنا. ان ترسيخ العقائد بالقيامة والمعاد والعبادات والاخلاقيات والولاية لله وللرسل والائمة عليهم سلام الله اجمعين، هي كلها كفيلة في ان تعود الذات البشرية الى الارتشاف من معين قيم الحق والعدالة والفطرة والايمان بالله، خاصة وان ابناءنا واطفالنا اليوم في عصر التلفاز والفضائيات والهجوم الثقافي المادي الفاسد هم احوج الى هذه الامور الهامة، حيث يعيشون الفوضى الفكرية واضطراب الروح وقلق النفس وضبابية الرؤية. ان رجال المنبر والصحافة ووسائل الاعلام المختلفة مدعون لترسيخ قواعد الايمان والفضيلة والايمان في عقول ونفوس اطفالنا وشبابنا ونساءنا وبكافة السبل المختلفة ووسائلها المتعددة. 2 - ضرورة رفع الحجب بين الناس وكتاب الله. فلقد تحول القرآن الكريم - مع الأسف - بين الناس الى عرف اجتماعي سائد، وتلاوته هي كذلك تدخل في ضمن دائرة العادة المتداولة بين الناس.. لقد اصبح كتاب الله يقتصر على الفواتح والمآتم، بل حتى البعض يصعب عليه القراءة، فيأتي بقارئ لتلاوة القرآن للثواب ويعطيه مالا ليقرأ على روح موتاه، دون ان يتوجه الى كلمات القرآن، بل تجده مشغولاً بسفاسف الحياة الدنيا وهذا بحد ذاته حجاب. لابد للامة ان تعود الى القرآن الكريم عبر التدبر في آياته المباركات، وتلاوتها بتمعن وتدبر.. ولا يكونّن هَم أحدكم آخر السورة كما يقول الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام.([5]) فان كل آية وسورة يتلوها المؤمن في كتاب الله هي خطاب موجه له، وهي التي تقصده. 3 - ضرورة تقوية اواصر الحالة الاجتماعية بين المؤمنين في شهر رمضان المبارك، عبر التزاور بين الارحام والاصدقاء. فالتزاور هي خطوة مهمة في رفع الحواجز النفسية العالقة في قلوب المؤمنين التي تكثفت وتجمعت عبر سوء الظن. فزيادة المؤمنين والدعاء لهم بالخير والعفو عنهم، وان كانوا هم المخطئين، هي بمثابة الجص والطابوق الذي يجعل البناء في المجتمع الاسلامي متماسكاً ومتيناً. كما ان الحث على التجمعات الايمانية والانتماء اليها والالتفاف حولها كالتجمعات الدينية والهيئات القرآنية هي الاخرى تقوي البنية الاجتماعية بين المؤمنين، ناهيك عن دورها الايجابي في بناء وتربية الشبيبة المؤمنة في مدرسة القرآن الكريم وبصائره الربانية. 4 - التثقيف الذاتي بالعلوم التربوية والاخلاقية والدينية. في هذا الشهر الفضيل هناك فرصة لتكميل البعد الثقافي والعلمي في شخصية الانسان المؤمن، كالبحث عن الكتب الاخلاقية والدينية والعقائدية وعن حياة الائمة المعصوميـن، واخص بالذكر كتاب تحف العقول الذي يشمل وصايا الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) وابنته الزهراء البتول (عليها السلام) وسائر الائمة المعصومين (عليهم السلام ) الى شيعتهم. 5 - تعميق الولاء مع اهل البيت (عليهم السلام) عبر التوجه اليهم وطلب شفاعتهم، واداء بعض صلوات النوافل واهداءها اليهم، وبالطبع حاشا اهل البيت (عليهم السلام) ان ينسوا من ذكرهم، كما لاننسى ان نقوي علاقتنا مع الامام الحجة المنتظر المهدي (عجل الله فرجه الشريف). خلاصة القــول؛ ان محــور (التقــوى) هو الهدف الرئيسي من تشريع فريضة الصيام في هذا الشهر الفضيل.. « يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » (البقرة / 183) نسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لاداء فريضة الصوم في ايام هذا الشهر العظيم كاملة، وان تكون هذا المحافل الرمضانية التي سوف نستمتع بزادها الروحي محطة لنقلة نوعية في داخلنا، وان يجعلنا ممن ينتصر بهم لدينه، ويجعلنا من الصالحين ويلحقنا بالائمة الهداة الميامين.
شهر النعم والبركات
شهر رمضان المبارك هو شهر الله؛ شهر الرحمة البركة والمغفرة؛ شهر يبسط فيه الخالق سبحانه وتعالى مائدة ضيافته الكريمة لعباده، ويفتح ابواب رحمته ومغفرته ليزيد المطيعين منهم ثواباً واجراً، يغفر للمذنبين والعاصين الذين قطعوا على انفسهم عهداً بالتوبة النصوح الخالصة لوجهه الكريم. انه شهر فضيل دعينا فيه لضيافة الرحمان، وجعلنا به من أهل الكرامة. فطوبى لمن اجاب الدعوة، واحسن الضيافة وآدابها. وهو شهر تتضاعف فيه الاعمال، ويتضاعف معها ثوابها؛ فمن قرأ سورة فيه او حتى آية واحدة كان كمن ختم القرآن كله، ومن اطال فيه سجوده وركوعه خفف الله سبحانه عنه اوزاره، ومن اكثر فيه الصلاة رفعت درجاته.. فقد جعل هذا الشهر عنواناً للمسلم، ومعراجاً للانسان المؤمن. فكيف يا ترى نستقبلـه، وما معنى الضيافة فيه، وكيف نحسن ادبها لكي نصبح ممن اجاب الدعوة، وصار من أهل الضيافة ؟ ابعاد الضيافة الالهيـة : للاجابة على هذه التساؤلات نقول : ان للضيافة الالهية ابعاداً مختلفة؛ فهو سبحانه أرحم الراحمين، ومائدته لاتقتصر على لون واحد من الوان الكرامة، بل هي تجل لرحمة الله الواسعة. وتضم كل الوان النعم ابتداءً من النعم المادية، وانتهاءً بآخر الوان النعم الروحية والمعنوية. ولعل الجميع يعلم علم اليقين كيف ان البركات والخيرات تنهمر على الناس كالغيث بمجرد ان يهل شهر رمضان المبارك، وهذا هو لون مادي من الوان المائدة الالهية، وهذه هي البركة الاولى. نعمة المشاعر الخيـرة : اما البركة او النعمة الثانية التي تطفح على سطح هذه المائدة الربانية العظيمة، فهي نعمة وبركة العواطف والمشاعر الخيرة التي يتبادلها المسلمون، حيث التعاطف والتراحم والمودة تنتشر فيما بينهم، مما يعزز اواصرهم الاخوية في الايمان. فالمؤمن الغني يحس من اعماق وجدانه بالحنان نحو أخيه الفقير، لان الله سبحانه شاء لهذا الغني بما فرضه عليه من الصوم عن الطعام والشراب، ان يشعر بألم أخيه الفقير الذي يبيت معظم لياليه جائعاً لا يجد ما يسـد به جوعته وجوعة عياله واطفاله. فهو مجبر على الاحساس بألم الجوع كيف يوخز معدته وامعاءه. والاحباء يزدادون حباً لبعضهم، وكذلك الذين فرقتهم نزعات الشيطان بما بثت في قلوبهم من الاحقاد والبغضاء، لان مائدة هذا الشهر الفضيل تجمعهم على حب الله تبارك اسمه، فتنبذ الاحقاد، وتترك العداوات. ذلك لان النفوس ترتفع عندما تجتمع في رحاب الرحمة الالهية. فكم من العوائل والاقارب الذين فرقتهم توافه هذه الدنيا ومادياتها، جمعتهم رحاب رمضان وموائده الكريمة. ولعل صلة الارحام مستحبة على الدوام، ولكنها تزداد اهمية في شهر الله الفضيل، كما أكد على ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته عند استقبال شهر رمضان قائلاً : وصلوا ارحامكم ([6])، الى درجة ان قطيعة الرحم في هذا الشهر تعد ذنباً عظيماً، والبادئ بالوصل له سبعون أجراً كأجر البادئ بالسلام والتحية. أهل البيت والمائدة الالهيـة : اما البركة والنعمة الثالثة التي ننعم بهما على المائدة الرمضانية الكبرى التي دعينا لها، فتتمثلان في ان القائمين بهذه الضيافة الذين يأتوننا بمائدة الله ورحمته هم أهل بيت النبوة والرسالة (عليهم السلام اجمعين). ولذلك ينبغي ان نوجه قلوبنا اليهم، ونزداد حباً لهم، ومعرفة بهم، وتسليماً لهم، وان نهتم باللجوء اليهم. فليس صحيحاً ان ننسى ذكرهم في شهر الله الفضيل. وكما ورثنا حب أهل البيت من آبائنا واجدادنا، ونشأنا وترعرعنا وتغذينا بهذا الحب، فاختلط بدمنا ولحمنا. فلا بد من ان نؤدي هذه الامانة الى ابنائنا واحفادنا كما أداها لنا الآباء والاجداد. فننشأهم ونغذيهم بهذا الحب، لينقلوه الى الاجيال القادمة. وعلى خطبائنا الكرام ان يركزوا في موسم التبليغ الرمضاني على قضية أهل البيت (عليهم السلام) بكل ابعادها، وبما يروي شجرة حبهم، ويرسخها في قلوب مواليهم وشيعتهم؛ كأن يتحدثوا عن فضائلهم ومناقبهم ومواقفهم الرسالية، وصبرهم واستقامتهم ومظلوميتهم التأريخية المستمرة الى يومنا هذا. ذلك لان كل مايتوارد علينا من مصائب وكوارث، انما سببه ابتعادنا عن أهل البيت، ومنهجهم وصراطهم السوي. آثار حب أهل البيت : ان معرفة الامة لأهل البيت (عليهم السلام) من شأنها ان تخلق لديها الوعي بالحقائق، وتجعلها تختبر المواقف، فتميز الحق عن الباطل، والصالح من الأمور عن طالحها. علماً ان لتربية الناس على حب أهل البيت من قبل خطبائنا، وعلمائنا، ومثقفينا آثار وابعاد عظيمة في حياة الانسان المؤمن الموالي، منها : 1- انها تدفعه الى ان يبحث عن سيرتهم؛ وعلى سبيل المثال، فلو سمع حادثة تعكس منقبة من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكرها احد الخطباء على المنبر، فانها ستكون دافعاً له الى أن يبحث عن المزيد مما يتعلق بحياة الامام، وسيرته، وفضائله. 2- ان التربية على حب أهل البيت (عليهم السلام) تخلق ذلك الانسان الموالي الذي يهفو قلبه الى المجالس التي تحيي ذكر أهل البيت (عليهم السلام)، فيسعى اليها بروحه وجوارحه، وبكل طمأنينة، ودون اي تكلف، بمجرد ان يرى راية أهل البيت قد نصبت على اعتابها. ان حب أهل البيت (عليهم السلام) هو الذي يجمع الموالين لهم، ويدفعهم الى ان يشلكوا حلقات يتحدثون فيها عن فضائلهم ومناقبهم وسيرتهم واخلاقهم ومواقفهم البطولية امام الظالمين والجائرين من حكام عصورهم. 3- ان معرفة أهل البيت (عليهم السلام) تجعل المسلمين يفتشون ويبحثون عمن يتأسون بهم، ويقتدون بسيرتهم وسلوكهم، فيتخذونهم قادة يرجعون اليهم في مختلف شؤونهم الحياتية؛ فالذي يعرف الامام علياً (عليه السلام) يفتش عمن يمثل دوره، ويقتدي به في سلوكه واخلاقه، ويعمل على تطبيق منهجه والسير على خطه. وما المراجع العظام، والعلماء الكرام، إلاّ تلامذة للائمة (عليهم السلام)، تخرجوا من مدارسهم على مرّ الدهور. العلماء ورثة أهل البيت : وباختصار فان معرفة أهل البيت (عليهم السلام) تجعل الموالين يفتشون عن القيادة الصحيحة التي تسير في نهج أهل البيت (عليهم السلام)، وبالتالي فانها ستؤدي الى تمحور الامة حول قياداتها الدينية ومراجعها الذين صانوا خط أهل البيت ومنهاجهم، وساروا على سيرتهم شريطة ان يكونوا اولئك العلماء الذين حدد الائمة (عليهم السلام) خصائصهم، كما جاء في الحديث المعروف عن الامام الحسن العسكري (عليه السلام) : من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه .([7]) وكما ان الائمة أكدوا على اهمية علماء الامة وفقهائها، وضرورة الرجوع اليهم، كما هو واضح من النص السابق؛ فكذلك الحال بالنسبة الى القرآن الكريم فقد أشار الى منزلة العلماء الرفيعة، ودورهم الكبير في ارشاد الناس وهدايتهم وتعرفهم بدينهم وشرائعهم. ومن ذلك قوله عز من قائل: « فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ » (عبس/13-16). فحياة وسلوك هؤلاء السفرة الكرام، بل وحتى ملامح وجوههم النيرة، تشم منها رائحة أهل البيت (عليهم السلام)، وتجسد الجانب الاعظم من سيرتهم واخلاقهم. صحيح اننا لم نرى أهل البيت (عليهم السلام)، ولكننا نظرنا الى العلماء، وما يتميزون به من الهيبة، ثم ما نلمسه من سيرتهم وسلوكهم وتعاملهم مع الناس وورعهم وتقواهم... وكل ذلك يشعرنا ان هؤلاء السفراء الكرام، انما هم اشعة من ذلك النور البهي، وومضات من ذلك الضياء الساطع؛ ضياء أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام). ولقد لمسنا خلال اتصالنا بعلمائنا وفقهائنا ومجتهدينا على مر السنين الطوال، فوجدناهم هم مثالاً لكل خلق سام رفيع، وانموذجاً للورع والتقوى، وقمماً شامخة في العلم والاجتهاد. والحمد لله فان مسيرة تقليد وانتخاب المراجع لم تتأثر او تتوقف في يوم من الايام، فلم يكن هناك فراغ او خلل في مسألة الرجوع والتقليد لدى الشيعة على مر العصور، منذ ان بدأت الغيبة الكبرى ولحد الان، رغم الضغوط وانواع القمع والاضطهاد الذي لاقوه طيلة عهود حكام الجور والظلم الذين ناصبوا العداء، وورثوه ممن سبقهم لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم وشيعتهم. فلقد استمر هذا النهج الناصع، والخط الاصيل ولم يؤثر على استمراريته، كل ذلك الظلم التاريخي الذي تعرضنا ومانزال نتعرض له. وبناء على ذلك، فلا شيء يخشاه الموالي لأهل البيت على نفسه عندما يختار قيادته ومرجعه بمحض ارادته. فما يبعث الشجاعة، ويثير فيه روح المقاومة والصمود امام الظلم النازل به وباخوته، هو الشجاعة والصمود والثبات والاستقامة على الطريق والمنهج لدى هؤلاء القادة والمراجع الذين يختارهم. فبثباتهم واستقامتهم يقاومون الوان الظلم والانحراف، وكل الافكار والمناهج المتسللة الينا، والدخيلة على افكارنا، ومناهجنا الاصيلة، وذلك من خلال بيانهم لاحكام الدين. واذا ما اقتضى الأمر فانهم يحملون السيف في وجه الانظمة الفاسدة لمجاهدة حكام الجور والظلم، وهم مطمئنون الى ان الله سبحانه ناصرهم، ومسدّد خطاهم. وعلى هذا فان مردود حب أهل البيت (عليهم السلام) لايقتصر على مجرد الحب في القلب وحسب، وانما له آثار مباركة، منها معرفة الدين. فهذه المعرفة هي بركة من بركات حب أهل البيت واتباعهم وموالاتهم. تحديد الخط السياسي الحـق : ومن البركات الأخرى لمعرفة اهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بهم، بركة تشخيص الخط السياسي الحق والاصيل من خلال سلوكهم مع الحكام، ومنهاج تحركهم. فالموالي لهم لاينحرف عن خطهم المستقيم الى اليمين او الشمال، لان خط أهل البيت خط نقي واضح لايقبل المداهنة والمساومة والعمالة، ولا يعرف الخيانة، ولا يرضى بالدهاء والمكر. وهذا ما نجده متجلياً عند فقهائنا ومراجعنا العظام، سواء حكموا في الأمة أم لم يحكموا. ولذلك نجد هذه المنهجية واضحة على مرّ التاريخ؛ فالحكم والسلطان لم يؤثرا على القيادة الروحية للامة، هذه القيادة التي تميّز بها الأئمة (عليهم السلام) والنائبون عنهم. فهم (عليهم السلام) أئمة قاموا ام قعدوا، وهكذا الحال بالنسبة الى من ينوبون عنهم، فهم قادة سواء حكموا أم لم يحكموا. وهذه الحقيقة أكدتها الاحاديث الشريفة، ومنها الحديث المشهـور الذي يقــول : الحسـن والحسيـن امامان قاما أو قعـدا .([8]) فليس ضرورياً ان يحمل الامام او مرجع الأمة سيف الحكم والفصل، فربما لاتسنح له الظروف بذلك، كما كان الحال بالنسبة الى الغالبية العظمى من ائمتنا (عليهم السلام).
نعمة القـرآن :
وبالاضافة الى نعمة معرفة أهل البيت (عليهم السلام) فان هناك نعمة أخرى ينعم الله تعالى بها علينا خلال شهر رمضان المبارك، الا وهي نعمة القرآن. فشهر رمضان هو شهر القرآن وربيعه؛ ففي طياته تلك الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر؛ اي أنها خير من ثلاثين ألف ليلة. وسرّ هذا التفضيل يكشفه لنا القرآن الكريم في قوله : « إِنَّآ انزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » (القدر /1). فهذه الليلة هي ذكرى نزول القرآن الكريم من السماء العلى، حيث نزل كله جملة واحدة على قلب نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) في تلك الليلة المباركة. ولذلك فان من ضمن المظاهر الكبرى لعظمة شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن، هو انه ربيع القرآن، الذي فيه خبر من كان قبلنا، وعلم من يأتي بعدنا، وهو حكم ما بيننا. فمن جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه الى النار. وهو شافع مشفّع، وماحل مصدّق. فلابد - اذن - من الاهتمام بكتاب الله في هذا الشهر الشريف، من خلال اتباع الخطوات التالية :
1- تلاوة القرآن وختمه
ينبغي ان نستثمر اوقات هذا الشهر الفضيل وساعاته ولياليه في تلاوة القرآن. ويا حبّذا لو عقدنا العزم على ختمه اكثر من مرة واحدة، بدلاً من ان نقضي اوقاتنا في جلسات اللهو واللغو الفارغة. والله سبحانه يوفق قارئ القرآن، ويبارك له، ويوفّقه للعمل به. فالقرآن هو رسالة الله تعالى إلينا، وحبله المتين والكتاب الاعظم الذي يتضمن حقائق الكون والوجود.
2- التدبر في آيات القرآن
والتدبر هو الوقوف عند الآية، واجالة النظر فيها، وما تنطوي عليــه من ابعاد فكريـة واجتماعية وسياسية وخلاقية. فلا ينبغي ان تكون تلاوة آيات القرآن الكريم مجرد قراءة عابرة. فمن الضروري للانسان المسلـم الذي يريد التسلح بالقـرآن مـن خلال تقوية ايمانه، ان يتلو كتاب الله بامعان وتوجه. فلا بد من ان تنسجم مع خطاب الله سبحانـه وحديثه معنــا، لكي تطمئن بـه قلوبنـا، وتنـزل السكينة على ارواحنا ونفوسنــا. فبالقرآن يصيــر الانسان الى القناعــة، وبه يمتلئ سعادة وراحـة روحية ومعنويــة. ان تدبر القرآن يزوّد المؤمن بالبصيرة، فيفهم الحياة بافضل وجه، ويميّز الجيد فيها عن السيء، والطيب من الخبيث، ولا ينخدع بالمظاهر الجوفاء. فلابد من فهم القرآن والانسجام معه، وان لا نوحي الى انفسنا باننا دون مستوى فهم القرآن. صحيح ان بعض الآيات تحتاج الى مراجعة التفاسير لفهم مغزاها، ولكن القرآن على العموم واضح المعنى، سهل الفهم، وهو نفسه يؤكد على هذه الحقيقة قائلاً : « وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ » (القمر / 17) ولذلك فان من يفتح قلبه للقرآن، سيفهمه باذن الله تعالى، وسيمنحه الهاماً خاصاً يفهم به لغة القرآن.
نعمة الاهتمام بأمور المسلمين :
وفي هذا المجال يقول الحديث الشريف : من أصبح لايهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ([9]). وفي احاديث اخرى يقول (صلى الله عليه وآله) : اتقوا النار ولو بشق تمرة ([10]). ويقول : اتقوا النار ولو بشربة من ماء ([11]). فهذه الاحاديث الشريفة وغيرها تحث الانسان المسلم على الاهتمام بأمور اخوته، والتحسس بآلامهم ومعاناتهم، ومشاركتهم في همومهم، وفهم مشاكلهم. فلا يجوز ان ينطوي المسلم على ذاته، ويطوق نفسه بطوق الانانية البغيض. فينبغي بالاخوة المؤمنين وخصوصاً في شهر رمضان المبارك ان يبحثوا عن اخوانهم الفقراء، ويمدّوا اليهم يد المساعدة، ويفرجوا بما استطاعوا عن همومهم المعيشية.. فليشهد لنا شهر الله في الغد، وفي كل عام من اعمارنا، باننا قد افرحنا قلباً كسيراً، وفؤاداً مجروحاً، وادخلنا البهجة والسرور على يتيم، او عائلة ليس لها من يعيلها، او تصدّقنا على مسكين او اطعمنا جائعاً او كسونا عرياناً لايملك من الثياب ما يقي بدنه ويسرّه. وعلينا ان لانقصر اهتمامنا على ابناء بلدنا، او منطقتنا التي نسكن فيها، بل ليمتدّ نظرنا الى البقاع الاخرى من اوطان المسلمين. وهنا تقع مسؤولية الكشف عن اوضاع المسلمين المزرية على عواتق خطبائنا الكرام. فهم مسؤولون عن ان يجعلوا روّاد منابرهم ومجالسهم، على دراية بما يجري حولهم من مآس ومصائب على اخوتهم، وان يثيروا فيهم الحماس وروح الاهتمام الوثابة التي تحفزهم على الانضمام الى قافلة العمل والجهاد في سبيل الله عز وجل. وهنا أوجه خطابي الى المبلّغين الاسلاميين الذين يتحملون المسؤولية الرسالية وعبئ الدعوة الى الله، وخصوصاً العلماء والخطباء؛ ان يجهدوا انفسهم في سبيل ايصال نور العلم والهدى الى الناس، وان يجيبوهم على مسائلهم صغيرة كانت أم كبيرة، وفي جميع المجالات. وان لايبدوا التململ والضجر في اجابتهم، وافهامهم لامور دينهم ودنياهم. فعليهم ان يجنّدوا انفسهم، ويظهروا الجد في إحسان الضيافة، وادائها على افضل وجه. وهذا ما يؤكد عليه قوله تعالى : « كَلآَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَاَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ » (عبس/11 - 23). شهـر التوبـة ان شهر رمضان المبارك هو شهر دعينا فيه الى ضيافة الله تعالى، ومفاد هذه الضيافة الكريمة هو دعوة الله عباده للتوبة، لانه يحبها لهم. والتوبة في حقيقتها هي عملية اعادة الاتصال بين العبد وربه، وفي الاحاديث بيان لمدى حب الله جلت قدرته للتوبة، ولعبده التائب؛ منها ما يصور توبة العبد ويمثلها برجل بدوي يقطع الصحراء وفيافيها، ومثله معرض للهلاك في هذا الطريق، وهو لايملك الا ابله فاذا ما عطش شرب من لبنها، واذا ما جاع اكل شيئاً من شحمها لان العرب كانوا يأكلون من الابل وهي حية اثناء ركوبها، ثم يصادف ان يضيع هذا البدوي ابله في ليل الصحراء المظلم بعد ان فك عقالها، واذا ما ضاعت هذه الابل فان هذا يعني ان على هذا البدوي ان ينتظر موته البطئ، والهلاك إن لم يعثر عليهـا، ولذلك فان هــذا البدوي يبدأ في الليل بالبحث عن ابله عله يجدها، وكم ستكون فرحته عظيمة عندما يظفر بهـا. ومع ذلك فان - جلت قدرته - أشد فرحاً عندما يرى عبده يعود اليه تائباً خاضعاً حيث روي عن الامام ابي جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال : ان الله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.([12]) فهو سبحانه طالما يفتـح ابـواب التوبة لعبــاده، ويغفر لهم كل معصيــة. وهـذا هتافــه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، اذ يقول في احدهما : « وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » (النور / 31) غفـران اللـه : فهلموا بنا - ايها الاخوة - الى التوبة، وطلب المغفرة، وهذا هو بابها مفتوح للداخلين. وفي هذا المجال يروى انه دخل معاذ بن جبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) باكياً فسلّم فردّ عليه السلام ثم قال : ما يبكيك يا معاذ ؟ فقال : يا رسول الله إنّ بالباب شابّاً طريّ الجسد، نقيّ اللّون، حسن الصورة، يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها، يريد الدخول عليك؛ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : ادخل عليَّ الشاب يا معاذ؛ فأدخله عليه فسلّم فردّ عليه السلام، ثم قال : ما يبكيك يا شابّ ؟ قال : كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني الله عز وجل ببعضها أدخلني نار جهنم ؟ ولا أراني إلاّ سيأخذني بها ولا يغفر لي أبداً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : هل أشركت بالله شيئاً، قال : أعوذ بالله أن أُشرك بربي شيئاً. قال : أقتلت النفس التي حرم الله ؟ قال : لا. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرواسي، فقال الشابّ : فإنها أعظم من الجبال الرواسي. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق، قال : فإنها أعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق ! فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسيّ، قال : فإنها أعظم من ذلك. قال : فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) إليه كهيئة الغضبان ثم قال : ويحك يا شابّ ذنوبك أعظم أم ربك ؟ فخرّ الشابّ لوجهه وهو يقول : سبحان ربّي ما شيء أعظم من ربي، ربّي أعظم يا نبي الله من كلّ عظيم. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : فهل يغفر الذنب العظيم إلاّ الرب العظيم ؟ قال الشابّ : لا والله يا رسول الله، ثم سكت الشابّ . فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ويحك يا شابّ ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك؟ قال : بلى أُخبرك : إني كنت أنبش القبـور سبع سنين، أخرج الأموات، وأنزع الأكفان، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار فلمّا حملت الى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها وجنّ عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها ونزعت ما كان عليها من أكفانها وتركتها متجرّدة على شفير قبرها، ومضيت منصرفاً فأتاني الشيطان فأقبل يزيّنها لـي، ويقـول : أما ترى بطنها وبياضهـا ؟ أما ترى وركيها ؟ فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت إليها، ولم أملك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها، فإذا أنا بصوت من ورائي يقول : يا شابّ ويل لك من ديّان يوم الدين، يوم يقفني وإياك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى، ونزعتني من حفرتي وسلبتني أكفاني، وتركتني أقـوم جنبةً إلى حسابي، فويــل لشبابك من النـار !. فما أظنّ أنّي أشـمّ ريح الجنة أبداً فما ترى لي يا رسول الله ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : تنحّ عنّي يا فاسق؛ إنيّ اخاف ان احترق بنارك، فما أقربك من النار ! ثم لم يزل (عليه السلام) يقول ويشير اليه حتى أُمعن من بين يديه، فذهب فأتى المدينة فتزوّد منها ثم أتى بعض جبالها فتعبّد فيها، ولبس مسحاً وغلّ يديه جميعاً الى عنقه، ونادى : يا ربّ هذا عبدك بهلول، بين يديك مغلول، يا رب أنت الذي تعرفني، وزلّ منّي ما تعلم سيّدي ! يا ربّ أصبحت من النادمين، وأتيت نبيّك تائباً فطردني وزادني خوفاً، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيّب رجائي؛ سيّدي! ولا تبطل دعائي، ولا تقنّطني من رحمتك. فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة، وتبكي له السباع والوحوش، فلمّا تمّت له أربعون يومـاً وليلـةً رفع يديه الى السمـاء، وقال : اللهم ما فعلت في حاجتي ؟ إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح الى نبيّك، وإن لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجّل بنار تحرقني، او عقوبة في الدنيا تهلكني، وخلّصني من فضيحة يوم القيامة. فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيّه (صلى الله عليه وآله) : والذين إذا فعلوا فاحشة يعني الزنا أو ظلموا انفسهم يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا، ونبش القبور، وأخذ الأكفان ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم يقول : خافوا الله فعجّلوا التوبة ومن يغفر الذنوب إلاّ الله يقول عز وجل : أتاك عبدي يا محمد تائباً فطردته، فأين يذهب ؟ وإلى من يقصد ؟ ومن يسأل أن يغفر له ذنباً غيري، ثم قال عز وجل : ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون يقول : لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج وهو يتلوها ويتبسّم، فقال لأصحابه: من يدلّني على ذلك الشابّ التائب؟ فقال معاذ: يا رسول الله بلغنا أنّه في موضع كذا وكذا، فمضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه حتى انتهوا الى ذلك الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشابّ فإذا هم بالشابّ قائم بين صخرتين، مغلولة يداه الى عنقه، قد اسودّ وجهه، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء، وهو يقول : سيّدي : قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي، فليت شعري ماذا تريد بي ؟ أفي النار تحرقني ؟ او في جوارك تسكنني ؟ اللهم إنّك قد أكثرت الاحسان إليّ وأنعمت عليَّ، فليت شعري ماذا يكون آخر أمري ؟ الى الجنة تزفّني ؟ أم الى النار تسوقني ؟ اللهم إن خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيّك الواسع وعرشك العظيم، فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة ؟ فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثو التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع! وصفّت فوقه الطيـر ! وهم يبكون لبكائه ! فدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأطلـق يديه من عنقه، ونفض التراب عن رأسـه، وقـال : يا بهلـول ! أبشر فإنّك عتيق الله من النار. ثم قـال ( عليه السلام ) لأصحابــه : هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول. ثمّ تلا عليه ما أنزل الله عز وجل فيه وبشّـره بالجنـة .([13]) ترى ما الذي يستفيده المؤمنون من مفاد هذا الحديث، أليس ذلك معناه ان الاندع لليأس مجالاً في نفوسنا، أليس ذلك معناه ان يسقط المؤمنون معاني القنوط والاحباط واليأس من قاموسهم، وان يستبشروا بالرحمة الواسعة التي فتحت باب التوبة والمغفرة، وخصوصاً في شهر رمضان المبارك على مصراعيه، واغلقت ابواب نفوذ الشياطـين ووساوسهم للنفــوس ؟ فلا يستهينن أحداً برحمة الله، وليجعل الباب مفتوحاً دائماً بينه وبين ربه. شهر الاغتسال من الذنوب : ان التوبة هي بمثابة الاغتسال بماء النهر الذي يتطهر به الانسان، وشهر رمضان يشبه الى حد كبير نهر ماء ينساب طاهراً امامنا، في حين قد احاطت بنا ادران الذنوب، واوساخ الغفلة والشره والطمع والحسد والغيبة والتهمة.. فتجدنا كلما خرجنا من ذنب وقعنا في آخر أشد منه، والشيطان مستول على نفوسنا وقلوبنا يسعى بنا الى الهاوية، والعياذ بالله منه ومنها. وهكذا فان القضية ليست هيّنة. فتعالوا نغسل نفوسنا وقلوبنا، ونصفيها من الرذائل والذنوب العالقة بها بماء النهر الممتد امامنا، المتمثل في شهر الله الفضيل، شهر رمضان المبارك. ولنعقد العزم من الآن على التوبة النصوح، علنا ننال بطاقة المغفرة التي تمهّد الطريق لنا في الآخرة الى جنات النعيم. ولتكن لنا في هذا الأمر همّة عالية، وعزم جاد، ولنوجد في داخلنا الحالة النفسية التي تدعونا لأن نطهّر ولو نصف ما علينا من الذنوب إن لم يكن جميعها، كي نكون بعد انقضاء شهر رمضان في وضع مغاير للوضع الذي كنا عليه قبله. وهذه هي ابواب الرحمة والتوبة والمغفرة مفتحة، فلنستقبل هذا الشهر العظيم ونحن طاهرون، وقد اتخذنا القرار بترك السيئات من أعمالنا، واحلال الصالحات والخيرات محلّها. وعلينا ان لا ننسى في هذا الشهر المبارك الاكثار من قراءة القرآن والادعية والمناجاة، واقامة الصلوات المستحبة والنوافل التي تزيدنا قربة الى الله تعالى ورضوانه. ثم الاعمال الخيرية، والصالحات من اطعام للفقراء ومساعدتهم، واعانة ذوي القربى والفقراء والمساكين من المسلمين.. فكل ذلك هو بمثابة تجسيد عملي للتوبة بعد قطع العهد القلبي عليها مع الله جل وعلا. واذا ما فعلنا ذلك، فان هذا يعني اننا قد ارتفعنا وسمونا في سلم القربة الى الله سبحانه، وعرجنا الى ملكوته، وجسّدنا المعنى الحقيقي للتوبة التي هي من أهم الاهداف التربوية لشهر الله جل وعلا. شهـر التبليـغ في شهر رمضان المبارك يجد الكثير من علماء الاسلام، والدعاة الى الله تعالى، والقادة الى سبيله، والمصلحون فرصة التبشير والانذار، وتوعية الامة، واحياء المفاهيم الاسلامية. ولاريب ان هذه الفرصة -لوخطط لها تخطيطاً شاملاً ودقيقاً- لكانت فوائدها اكبر مما لوتركت من دون تخطيط، فاتجه كل واحد في مسار معين قد يتناقض مع مسار اخوتهم او يتفاوت ويختلف على الاقل. فقد يركز احد الاشخاص المبلغين عبر المنبر او أية منصة خطابية توجيهية على فكرة معينة، في حين يصب خطيب آخر اهتمامه على فكرة اخرى. فتكون النتيجة ان الذي يخرج من ذلك المجلس ليدخل المجلس الثاني يجد في نفسه نوعاً من التضاد والتناقض لايستطيع دفعه، لان الخطيب الاول قد دفعه في اتجاه مغاير للاتجاه الذي ساقه اليه الخطيب الثاني. هذا في حين ان الخطباء والكتّاب والمفكرين لو اجمعوا على انتهاج خطة معينة، لتكثفت الفكرة لدى الجمهور، ولتركزت الى درجة الانطلاق والعمل. فعندما يحضر المستمعون في اكثر من مجلس ويستمعون الى نفس التوجيهات، ويلاحظون ذات التركيز باساليب وصور مختلفة دون الاختلاف في الجوهر، لتحركوا في اتجاه واحد. ومن هنا نجد ان من الضروري ان يتجه خطباؤنا ومفكرونا، وكل من يحاول ان يقوم بدور توجيهي في مثل هذا الاتجاه، وهو التخطيط الشامل والموحد لأحاديثهم. تحديد المشكلة الحقيقية للامة : والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو : ماذا يمكن ان تكون وجهة احاديث هذا الشهر الكريم، علماً ان هذه الفرصة لاتتاح للخطباء إلاّ مرة واحدة في السنة ؟ ان من أهم الأمور، واكثرها شمولية ونفعاً، ان نحدد المشكلة الحقيقية التي تعاني منها الامة تحديداً دقيقاً ونحاول معالجتها، فما هي هذه المشكلة ياترى ؟ ان البعض يزعم ان المشكلة الحقيقية في الامة انما هي مشكلة الافراد، لان المجتمع يتكون على أية حال من مجموعة من الافراد. وللجواب على ذلك نقول : صحيح ان للفرد دوراً هاماً في بناء المجتمع، ولكنه ليس الدور الوحيد. لان طبيعة العلاقات الاجتماعية ونوعيتها وكيفية بنائها، كل ذلك يلعب دوراً حاسماً في تحديد نوعية المجتمع، وسيره في اتجاه دون آخر. فالمجتمع الذي تسوده الاختلافات لا يمكنه الانتفاع من الافراد الصالحين، لان هؤلاء الاشخاص - مهما بلغوا من الصلاح، ومهما كانت نشاطاتهم واسعة ومكثفة - فان جهودهم ستتعارض مع بعضها البعض. فما فائدة الافراد الصالحين -اذن- في مجتمع يفتقر الى العلاقات الاجتماعية البناءة ؟ ان مثل هذا المجتمع يشبه الى حد كبير مجموعة من السيارات الفاخرة التي يقودها سواق مهرة، ثم تسير في شوارع ليس فيها اشارات مرور، فاذا ببعضها يسير في اتجاه والآخر يسير في اتجاه آخر، واذا بالفوضى تسود الشوارع لانه لاتوجد اشارات مرور تنظّم سيرها مهما بلغت من القوة والمتانة، ومهما بلغ سواقها من المهارة. مجتمع نموذجي كامل : وهكذا الحال بالنسبة الى المجتمع الذي يرتبط افراده ببعضهم عبر علاقات صالحة، فيكمل بعضهم بعضا، ويشجّع بعضهم بعضا، ويتعاونون فيما بينهم. فلا تتزاحم طاقاتهم، ولاتتناقض اتجاهاتهم، ولاتتعارض شخصياتهم، وهذا هو المجتمع النموذجي الكامل. اما المجتمع الذي يفقد هذه الخصائص او بعضها، فانه سوف لاينجح مهما بلغ صلاح افراده. فالمجتمع الذي لايقبل التحدي - مثلاً - اويرفض الحرب دفاعاً عن قيمه وشخصيته وكيانه، فانه زائل لامحالة. وكذلك الحال بالنسبة الى المجتمع الذي يحارب، ولكن ليس من أجل القيم المبادئ، بل بسبب الانفعالات الوقتية فانه - بدوره - مضمحل وزائل. ان العكس هو الذي ينبغي ان يكون سائداً؛ اي ان تكون علاقة افراد المجتمع ببعضهم علاقة تسامح وعفو، وعلاقة سلم ووئام ومحبة، اما علاقتهم -كمجموع - مع الاعداء فيجب ان تكون عداء وحرب وتحد. قيم الرسالة في حياتنا الاجتماعية : وانا أرى ان المشكلة التي نعاني منها - نحن المسلمين - هي مشكلة اجتماعية بالدرجة الاولى. فنحن لم نلتزم بالقيم الاسلامية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها في حياتنا الاجتماعية. فقد يكون الافراد صالحين، ولكن صلاحهم يبقى أثره محدوداً في واقعهم، دون ان ينتقل الى واقع المجتمع وواقع السياسة والاقتصاد في حياتهم. وفيما يلي نورد آيات كريمة من سورة الشورى، محاولين ان نقيس عليها اوضاعنا الراهنة، ونستخلص منها بصائر لمعالجة هذه الاوضاع : « فَمَآ أُوتِيتُم مِن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَاَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ » (الشورى / 36 - 43) والله تبارك وتعالى يقرر في هذه الآيات منذ البدء ان وجهة المجتمع الاسلامي، لابد ان تكون وجهة الهية يتطلع فيها الجميع الى مرضاته. فما يمتلك الانسان من اشياء فيها متعة وفائدة يجب ان تكون سبباً لأن تكون نظرته الى الحياة أسمى، فعليه ان يوجه نظرته الى الله سبحانه وتعالى، والى الحياة الاخرى، لان هذه الحياة « خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ». فاذا كانت وجهة المجتمع سامية تتطلع نحو الأرفع والأعلى وهي الآخرة، فان هذا المجتمع لا يمكن ان تؤثر فيه الضغوط، لان أبناءه لوطلب منهم التنازل عن كل ما يمتلكون ليحصلوا على رضوان الله تعالى وحبه وجنته، فانهم سيبادرون الى التنازل طواعية ومن دون أي تردد. ومثل هذا المجتمع هو الذي يتقدم. ان المستكبرين يريدون منا ان نتنازل عن مبادئنا وقيمنا وشرفنا وتأريخنا، وعن نبينا وائمتنا وشهدائنا ومن بذلوا دماءهم الغالية الزكية من أجلنا. يطلبون منا ان نتنازل عن كل ذلك مقابل ان يرضوا عنا، في حين اننا لا نطلب رضاهم، فيكفينا رضى الله عز وجل عنا. التوكل على الله : ومن صفات افراد المجتمع الاسلامي انهم « عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ». وهذه هي صفتهم الأسمى. ومن صفاتهم الاخرى، تلك التي يشير اليها عز وجل في قوله : « وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ». فهذا المجتمع ذو ظاهر وباطن نقيين طاهرين. فلا وجود فيه لزنا والخمرة والظلم والبغي والرشوة. اما علاقة افراده ببعضهم البعض فهي علاقة الغفران، فاذا ما غضب أحدهم على الآخر فانه سرعان ما يغفر له، ويصفح عن خطئه. تحكيم مبدأ الشورى : وفي مجال العلاقات الاجتماعية من الواجب تحكيم مبدأ الشورى، كما يشير الى ذلك ربنا عز وجل في قوله: « وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ». وهذه الشورى يجب ان تسود ابتداءً من البيت؛ ففي داخل نطاق الاسرة يجب ان تكون العلاقة السائدة هي علاقة الشورى؛ فالأب يستشير ابناءه، والأبناء يستشيرون آباءهم، وكذلك الحال بالنسبة الى الأمهات. ومثل هذه العلاقة يجب ان تستمر لتمتد الى المجتمع، ولتصبح الشورى هي العلاقة المتبادلة بين أبنائه، وبين الامة وقيادتها. وعلى الخطباء والمفكرين ان يوضحوا للمسلمين ان مجتمعاتهم يتحكم بها الاستبداد بالرأي، فالشورى ليست سائدة في هذه المجتمعات اعتباراً من الأسرة انتهاءً بالسياسة. عدم القبول بالظلم : والمجتمع الاسلامي هو مجتمع يأخذ حقه من الاعداء، ولايدعهم يعتدون عليه، كما تصرح بذلك الآية التاليـة: « وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ». ثم يقول الله تعالى: « وَجَزآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ». فلا يجوز لنا ان نجازي اعداءنا على سيئتهم بحسنة. واما العلاقة بين افراد المجتمع الاسلامي، فيجب ان يسودها قانون : « فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَاَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ». فالعلاقة بين بعضنا البعض يجب ان تكون علاقة عفو وإصلاح. امـا الانسان الذي يحمل السيف دفاعاً عن نفسه وحقـه، فمثـل هذا الانسان ليس عليه من سبيل كما يقول القرآن الكريم: « وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ ». بل ان السبيل « عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ». الصبر وبُعد الأفـق : والمجتمع الاسلامي الأمثل يجب ان يكون مجتمعاً صابراً يفكر في المستقبل البعيد، كما يشير الى ذلك عز وجل : « وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ ». فعلى المجتمع المسلم ان لا يفكر في الحاضر والمستقبل القريب فحسب، فسرّ الانتصار والتقدم يكمن في الصبر والعزم الحديدي الذي لايلين. ان هذه الافكار الرسالية يجب ترسيخها في الامة. فلو غيرنا انفسنا وفق البرامج الرسالية، فان الله سبحانه وتعالى سيغير احوالنا الى الخير، ويصلح ما فسد من أمورنا. وفي هذا المجال تعتبر التوبة الفردية ضرورة قصوى. فكل واحد منا ينبغي ان يفكر فيما بينه وبين الله عز وجل، فيحاول ان يتخلص من ذنوبه، ومن الخرافات والضلالات التي ارتكس فيها. ضرورة التوبة الجماعية : والتوبة الجماعية هي الاخرى ضرورية ايضاً، ولابد للمجتمع الاسلامي كله ان يتوب الى الله. ومعنى التوبة الى الله العودة الى القرآن الكريم، والى برامج الله في القرآن. فيجب ان تتغير المعادلات القائمة في بلادنا لتحل محلها المعادلات الاسلامية، وان تتغير اخلاقنا الاجتماعية الى اخلاق اسلامية، بل علينا ان نغير كل موقفنا منذ هذه اللحظة الى مواقف يمليها علينا القرآن الكريم. فلتكن دعواتنا، وتوجيهاتنا الى كل ما هو اسلامي. وانا ادعو هنا كل الخطباء والمفكرين والكتّاب والمثقفين وجميع الاشخاص الذين يقومون بدور التوعية والتوجيه، ان يجعلوا من هذا البرنامج الذي قدمته لنا سورة ( الشورى ) برنامجاً لتوجيهاتهم، وان يعقدوا الجلسات والمؤتمرات، ويجتمعوا مع بعضهم مرة واحدة في كل اسبوع على الاقل ليناقشوا المواضيع التي يريدون طرحها على الناس.
جسـراً للآخـرة كلما نستقبل شهررمضان الفضيل تطرح امامنا الفكرة التالية، وهي ان كل شهر نستقبله هو شهر جديد، وان الله سبحانه وتعالى قد قدر لكل واحد منا ان يمر بعدد معين من اشهر رمضان نعيشها خلال حياتنا. ومهما يكن العدد فانه لابد ان ينتهي، والحقيقة التي يمكن ان تنتهي ان رمضان هو جزء من واقعنا وكياننا وحياتنا. انها لحظات تمر حتى تنتهي الى تلك اللحظة التي قدر الله تعالى ان يجعلها أجل الانسان. والمشكلة اننا لانعرف متى تكون تلك اللحظة. وحتى لو عرفناها، وعرفنا اننا سنعيش - مثلاً - سبعين عاماً، فان هذا يعني اننا يجب ان نكتسب خلال هذه السنين عملاً ينفعنا غداً، وإلاّ سنكون ممن قال عنهم العلي القديـر: « وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ » (المؤمنون / 103) ان الذين تخف موازينهم يوم القيامة رغم ان الله تبارك وتعالى منحهم فرصة امتدت الى سبعين عاماً، ورغم ذلك لم يقوموا بعمل يوازي ويساوي هذه المدة الطويلة، فانهم سيسكنون نار جهنم خالدين فيها. فنعمة الله عليهم كانت أكثر، وفرصة العمل أكثر، ولكنهم مع ذلك لم يستغلوا تلك النعمة، ولم يغتنموا هذه الفرصة حتى جائهم الأجل. وهم عندما يسكنون في النار فانهم لا يسكنونها لعدة أيام أو أسابيع، وانما هم خالدون فيها. وهذا أمر ليس بالهيّن، فمن الممكن للانسان ان يتصور انه سيعيش في نار جهمم لأيام ومن ثم يعفي الله تعالى عنه، وينجيه. ولكن اذا أصبح من المقرر بقاؤه في نار جهنم لفترة غير محدودة، فان هذا الأمر من الصعب تصوره، رغم انه سيكون حقيقة ملموسة قائمة في يوم القيامة كما تصرح بذلك الآيات التالية : « أَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ » (المؤمنون /105 - 108) ترى اذا خفت موازيننا يوم القيامة فماذا عسانا ان نفعل في هذه الحالة، وخصوصاً ان الطريق مسدود امام عودتنا الى الدنيا لنعمل الصالحات التي من شأنهـا ان تثقل ميزاننـا. ولذلك فان الله تبارك وتعالى يقول لمثل هؤلاء : « اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ». لابد من التهيؤ للآخـرة : روي عن الامام علي (عليه السلام) قوله في الترغيب في الآخرة، والتزهيد في الدنيا، والحث على الاعمال الصالحة : أما بعد، فان الدنيا أدبرت، وآذنت بوداع، وان الآخرة قد اقبلت واشرفت باطلاع. ألا وان اليوم المضمار، وغداً السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار؛ أفلا تأئب من خطيئته قبل منيته ! ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ! ألا وانكم في أيام أمل من ورائه أجل؛ فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله، ولم يضرره أجله. ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضره أجله .([14]) فمن المرارة بمكان ان تأتي لحظة الفراق، والوداع دون ان يهـئ الانسان نفسه لها، في حين ان الله تعالى يقول بشأن الآخرة : « لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ » ( الصافات / 61) فما دامت الدنيا تنتهي بهذا الشكل وهو وضع الانسان تحت التراب ثم ينتهي كل شئ، فهل من المنطقي والصحيح ان يضحي الانسان بدينه وقيمه وشرفه من أجل اشباع شهواته على حساب آخرته. والله وحده هو العالم كيف سيكون مصير الانسان بعد الموت، وقد أكدت الروايات على انه يمر بسعين موقعاً ومرحلة وعقبة اهونها الموت ؟ وفي هذا المجال يقول الامام السجاد (عليه السلام) في دعاء من ادعية شهر رمضان : واعوذ بك من هول المطلع . ([15]) فعندما يخرج الانسان من قبره يوم القيامة عريان لايملك شيئاً من حطام الدنيا، يتلفت يميناً وشمالاً، ولا يرى احداً يستعين به في تلك اللحظات الصعبة العسيرة. ان الدنيا هي دار الغرور، والواحد منا ينهمك فيها باشباع رغباته وشهواته، والجري وراء مظاهرة الكاذبة الخادعة دون ان يشعر بمجئ شهر رمضان، واهمية هذا الشهر في تحديد مصيره الاخروي. ربيع تبتل ومنهاج تزكية : ان شهر رمضان هو ربيع الدعاء والتبتل والتزكية، والتوجه الى الخالق.. ولكن لمن يستغل هذا الربيع. فالبعض من الناس يزدادون بعداً عن الله في شهر رمضان، لانهم لم يتوجهوا الى تلاوة القرآن الكريم وقراءة الأدعية، فغلبت عليهم شقوتهم. وهذا يعني ان الانسان من الممكن له ان يتخذ من شهر رمضان أو اية مناسبة روحية اخرى، معراجاً الى الله سبحانه وتعالى، فتحدث عنده هذه المناسبة حالة نفسية متسامية يتخلص من خلالها من الصفات السلبية كالاختلاف مع اخوته، وطغيان الشهوات عليه، واليأس من روح الله، والتكاسل عن العمل.. فالفرصة انما تكون لمن يغتنمها. ان شهر رمضان المبارك يجب ان نتخذ منه وسيلة لاصلاح انفسنا وتزكيتها، ورفع الحجب التي تحول دون فهمنا للحياة. ولاشك ان للقراءة المعمقة للقران الكريم وللأدعية الشريفة الدور الأكبر في ذلك. فلنكثر من اعمالنا الصالحة، لان الاعمال مهما كانت كبيرة تعد قليلة بالنسبة الى المسؤوليات الضخمة الملقاة على عاتق الانسان. والانبياء والصالحون والزهاد كان ديدنهم استصغار اعمالهم، وعدم الاغترار بها، فكيف بنا نحن واعمالنا - على قلتها - مشوبة بالنوايا الدنيوية ؟ فلنخلص نياتنا، ولننتفع بهذا الشهر الفضيل في جميع قضايانا، وخصوصاً القضايا السياسية. فعندما يقف أحدنا ثائراً أمام حاكم جائر قربة الى الله تعالى، فلا شك ان ثوابه سيكون عظيماً، لان نيته كانت خالصة لوجه الله الكريم؛ ففي بعض الاحيان يثأر الانسان انتقاماً لكرامته، وثأراً لشخصيته.. ولكنه في هذه الحالة سوف لايحصل على الثواب العظيم الجزيل الذي يكون من نصيبه فيما اذا قاوم الطاغوت تقرباً الى الله جلت قدرته. برامج عمل وسلوك : ان الثورة ضد الطاغوت بهذا المقهوم والاسلوب هي من الاعمال الكبيرة، شريطة ان يخلص الانسان في عمله هذا. ان لا يكون اليوم ضد الطاغوت، وغداً يثور ضد الحكومة الاسلامية بدافع الوصول الى الحكم؛ فيكون حاله كحال (الزبير بن العوام) الذي عمل في سبيل الله تعالى، وجاهد في سبيل تحقيق وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخلافة أمير المؤمنين علي بن أبيطالب (عليه السلام). ولكن ما ان امسك أمير المؤمنين بزمام الحكم، واذا بالزبير يشهر سيفه ضد هذا الخليفة الشرعي طمعاً في السلطة. فتورط بهذه العاقبة السيئة التي نعوذ منها. ان كل هذه السلوكيات تعني عدم وجود الاخلاص في العمل. فالعمل لم يكن لله عز وجل بل لقضاء المصالح، واشباع الشهوات. فالعمل عندما يكون خالصاً لوجه الخالق فانه سيكون عملاً معتبراً، وثقيلاً في الميزان، وهذا لايمكن إلاّ بعد تزكية الانسان لنفسه. فأذا زكى الانسان نفسه، وأبعدها عن الشهوات والمطامع الذاتية والانانيات، فان هذا يعني انه قد قام بعمل شاق، هو حصيلة تعب وجهود مضنية. وهكـذا فلابد من الاستعــداد لتزكية النفس في شهــر رمضان المبارك، ولنخصص اوقاتاً منه لقراءة الادعية باخلاص وتمعن، وخصوصاً دعاء ابي حمزة الثمالي، وادعية الصحيفة السجادية.. واذا لم نستطع قراءة هذه الادعية بشكل كامل، فلنحاول ان نخصص لكل ليلة جزء منها. والمهم في ذلك ان نتدبر في الادعية، وان نتخذ منها برامج عمل وسلوك في حياتنا، بحيث نقرأ الدعاء وكأننا نحن المخاطبون شخصياً. فهناك - للأسف - من يقرأ الدعاء في حين ان ذهنه مشغول بقضايا اخرى، فلا يكاد هذه الادعية التي يقرأونها تؤثر في سلوكهم وتصرفاتهم، في حين ان من المفترض فيهم ان يجعلوا منها منطلقاً لتزكية انفسهم، واصلاح واقعهم. فرصة التغيير الحضاري من جملة الروائع القرآنيــة، حديث الله تبـارك وتعالى عن العلماء الربانيين، الذي تتوالى صفاتهم في قوله عز وجل: « أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ اُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ» (الرعد / 19 - 20) .. ثم يذكر لهم صفات أخرى الى أن يقول: « وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ اُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ » (الرعد / 22). وهـذه الصفة وغيرها من الصفـات التي جاءت ضمن السيـاق، لايستطيع مجرد من بلغ الايمـان ان يجسدها في شخصيتـه، وانما هـي مختصة بمن هـو أرقــى درجـة؛ بمن بلغ به العلــم الى إدراك الحقائق على وجههـا الأصيل، من خلال وعي المفاهيـم القرآنيـة وعيـاً بامكانه تطبيقه على حركاتـه وسكناتـه ؛ لحظة بلحظة ... لهذه الصفة الربانية أبعاد مختلفة في حياة الانسان العالم بالله، وأنا في هذا الاطار أحاول التنقل من بُعد لآخر . البُعد الأول: جسد الإنسان؛ بمعنى يمنع ما يمكن أن يصيبه من مرض وضعف وخور. وتعني مفردة الدرء المنع والوقاية، وضرورة أن يكون الانسان على مستوى من الوعي يدفعه الى توقي الآفات البدنية قبل وقعها . فالمؤمن العالم ملزم بالنظر والتحقق من مأكله ومشربه طبقاً لأوامر الشرع المقدس؛ الأوامر التي تأتي في سياقات الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة . فالله أمرنا أن نأكل الطيبات، وما أمرنا أن نأكل الخبائث. ثم أمرنا بأن ننعم بالخيرات، ونمتنع عن الاسراف. وهناك عشرات التعاليم الالهية في هذا الإطار، الغرض منها المحافظة على السلامة البدنية للانسان. ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) القدوة الحسنة للمؤمنين في هذا السبيل، وكان يلتزم مطلق الالتزام بالتعاليم الالهية في طريقة المأكل والمشرب واسلوب المحافظة على آداب المائدة، وذلك لكي يقلده المسلمون ليربحوا حياتهم وصحتهم . ثـم هنــاك تعاليم أخرى بعيدة عن إطار المأكل والمشرب، ولكنها تساق ضمن تعاليم الوقاية والمحافظة على البدن دون الإصابة بالامراض، من قبيل كيفية معالجة حالة الغضب التي قد تعتري الانسان في وقائع معينة. الغضب الذي قد يؤدي - إذا لم يعالج وفق التعاليم الاسلامية الحكيمة - الى أخطار وأمراض تلازم الانسان الى آخر لحظات عمره، او قد تكون نهايته بفعل هذه الأمراض وآثاره. وقد أمرتنا الاحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) ضمن تفصيلات رائعة وعجيبة بالحيلولة دون تسلط أعراض مثل هذه الحالة القاتلة. وفي الروايات الدينية تعاليم قيمة تحدثنا عن آداب العشرة الجنسية، وكلها تحول دون تسرب الامراض الى الجسد، وكلها قوانين تحفظ سلامة الانسان وتعلمه كيف يكون ذا صحة مثالية. ليس للزوجين فحسب ؛ بل هي تشمل سلامة الجنين أيضاً. ولذلك يقول الحديث الشريف: درهم في الوقاية خير من قنطار في العلاج . إذن فمن يريد التكامل في الايمان عليه بادئ بدء الالتزام الكامل بآداب الطعام وكل ما يخص السلامة البدنية. وهذه الرغبة أو الطموح لا يتأتيان مالم يحمل الانسان نفسه على مطالعـة الأدب الاسلامي فـي هـذا الإطـار، من خـلال التدبـر فـي الآيات القرآنية والأحاديث والروايات المختصة في هذا المجال ... البُعد الثاني: الجانب الروحي ؛ فالمتعارف يين المسلمين اليوم - مع بالغ الأسف - أنهم يتركون ابناءهم ضحية للبرامج الاعلامية الماجنة، او أنهم يعهدون بتربية أولادهم الى اناس مجهولي الحال على أقرب تقدير، والسبب في ذلك قد يكون في عدم ايلائهم الاهتمام اللازم الصادر من حقيقة التشريع الاسلامي في هذا الإطار . ثم إننا نرى الآباء والامهات - بعد كل هذا التقصير - يعرضون اولادهم لشديد العقوبة إذا هم لم يلتزموا بالتعاليـم الدينيـة، وهذا خطأ لعمـري كبير ؛ يصل الى حد الجريمة بحق الأولاد . فالتربيـة السليمـة أساسها الوقايــة عـن الوقوع في المساوئ، والآباء مدعوون قبل كل شيء الى اعداد العدة لتوفيـر وسائل واساليب التربية الصالحة ليضمنوا حيـاة طيبـة لأولادهـم . إن الأغـرب في الأمر هو أن البلاد الغربية قد اعتمدت قاعدة التخصص حتــى في طريقة الرعي والفندقة وغيرها من الأمور التي قد لاتخطر ببال، ولكننا نحن المسلمين نتقاعس عن ان يكون لنا خبير في التربيـة الصالحة . فنحن نولي أهمية كبرى لدراسة الجغرافية والتأريـخ، ولكننا لم نقم ببناء مؤسسات مختصة بارشاد المتزوجين وتعليم أسس التعامل والتربية الفذة التي تضمن تخريج أجيال صالحة وذكية ومخلصة لدينها في المجتمع . فالطفل الصغير بحاجة ماسة الى التعرف على كيفية التعامل مع أبية وأمه وإخوانه وأصدقائه؛ تعاملاً يجعله قويم الشخصية، معتدل السلوك، وبإمكانه مواجهة مصاعب الحياة بفطنة كافية.. وليس كما هو الملموس والمشاهد في واقعنـا، حيث يشب الطفل وتشب معه العقد والأمراض النفسية الصادرة أساساً عن جهله بما يحيط به. وذلك لان أي طفل حينما يفتح عينيه على مناظر السوء واصوات الباطل، من المسيقى الماجنة والرقص والاختلاط الباطل، فانه بالتأكيد لن يجد فسحة تمكنه من التفكير السليم او بناء الاعتقاد الصائب. إن الاسلام يفترض مباشرة أن يسعى الوالدان الى تنمية شخصية الأطفال على ضوء ما رسمه هو لا غير، وأن يقلد الأطفال المسلمون أئمتهم الهداة (عليهم السلام) حينما كانوا هم أطفالاً . بمعنى أن الآباء معنيون بأن ينقلوا لاولادهم سيرة الأئمة فيما يساعدهم في شأن التربية والاصلاح . إذن فالمفروض هو أن يفكر كل انسان بانتخاب القرين المتوفر على شروط الصلاح في الزواج، ثم يرسم الخطط المستقاة من المنهج التربوي الديني المتفتح لرعاية الاولاد وتربيتهم، لاسيما في ظل افتقـار مدارسنا اللادينية لتلكم المناهـج. البُعد الثالث: الجانب السياسـي؛ فاقول إننا حينما نتظلم بداعي تسلــط الجبابـرة علينـا، فمن اللازم أن نعرف بأن الظلمة إنما هم سيئات أعمالنا، وأن الجبابرة نتاج سلوكياتنا . فالمجتمع الفاضل هو المجتمع الذي لا ظلم فيه ولا رشوة، ولا كذب ولا سرقة، ولا أنانية ولا غش . ومثل هذا المجتمع من المستحيل أن يسلط الله سبحانه وتعالى عليه الظلمة والجبابرة، لأن القرآن الكريم يؤكد: « وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » (الانعام/129) ويقول: « قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الاَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ » (الانعام/65) . فحينما يكون المجتمع مجتمعاً فاسداً، لن يليق به أن يحكمه الحاكم العادل. وإذا ما سلمنا جدلاً بوجود حاكم عادل، فانه سيمد يده بكل بساطة الى أخذ الرشوة، ثم ينمسخ مسخاً كلياً ليتماشى والوضع السائد في المجتمع . يقول الحديث الشريف: لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو يولّى عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم . فتعالوا نصلح انفسنا ونضع حداً للفحشاء المتحكمة فينا . وأمامنا فرصة ثمينة علينا اغتنامها، وهي فرصة شهر رمضان المبارك لنعلن خلاله توبتنا؛ التوبة النصوح التي تعني وعي الصالحات ووعي السيئـات، لنعمـل بالأولى ونهجر الثانية. وذلك من خلال عرض انفسنا على كتاب الله، كما يعرض المريض نفسـه على الطبيب فيحدد له المسموح والممنوع من الغذاء. فلننظــر الى المسافـة التـي تفصلنا عن القـرآن ومفاهيمـه ومعانيـه، ونسعى لردم الهوة القاتلـة، ونتعلم كيف نتجاوز المسافـة . وليس الأمر صعباً أبداً ؛ فالقضية بحاجة الى إخلاص وتصميم وتدوين ما يمكن تدوينه من بنود إصلاح النفس والمجتمع عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوكل على الله والاستغفـار والتوبـة اليـه . إن على الخطباء في هذا الشهر الكريم أن يسعوا الى بث روح القرآن الكريم بين الناس، وعليهم التعريف بنهج البلاغة، وتشذيب التأريخ من الخدع والضلالات والشبهات، كما عليهم البحث عن أجوبة شافية عما يدور في أدمغة الشباب المسلم من اسئلة وشبهات تثيرها أجهزة الاعلام المعادية للدين وإشاعات المخابرات الأجنبية التي يبدو تصاعد حدتها في شهر رمضان على وجه الخصوص لمعرفتهم بمدى تأثير هذا الشهر الكريم على الروح الايمانية للناس . إني أشير عبر هذه النقطة الى أن تكون أحاديث الخطباء، أحاديث نابعة من صميم الحاجة الاجتماعية، لتكون أحاديث مفيدة حقاً . إن فـي المجتمعات الاسلامية أمراض خطيرة للغاية سيطرت أو في طريقهـا الى السيطرة عليها، من الضروري أن تعالج معالجة جذرية، تبدأ من وضع نقاط الوقاية اللازمة؛ من قبيل مرض المخدرات الذي يجب السعي حثيثــاً لاقتلاعـه، عن طريق مواجهة النـاس بكل صراحة عن أضراره وعواقبه والقيام بالتعبئة الشمولية ضده . وهناك مرض ادمان التدخين، الذي يتعدى الحديث فيه المضار الصحي الى الحديث عن الذوق الاجتماعي القاضي بضرورة عدم الحاق الضرر بالآخريـن واحترام الأماكـن التي يلوثها المدخونون، لاسيما الأماكن التي تقام فيه المجالس القرآنية والحسينية.. ولأن الخطباء والعلماء أصحاب رأي في المساجد والحسينيات، فعليهم ان يمنعوا مزاولة هذه العادة الكريهة في هذه الأماكن لتكون بدورها السباقة ازاء الأماكن الأخرى، وبالتالي قطع الخطوات الأولى لاجتثات هذه العـادة . ثمة مشكلة أخرى، وهي مشكلة العنوسة التي تعد بحق من الظواهر الصعبة والمستعصية في المجتمعات، ينبغي التفكير لحلها. فهذه الظاهرة سبب مباشر في انتشار الفساد والعقد النفسية والمشاكل العائلية الحادة . وهناك ايضاً ظاهرة العنف والتطرف في ابداء الآراء واثبات الحقوق، هذه الظاهـرة التي تعني العودة الى الجاهلية المقيتة. فمن الخطأ المميت أن يرى الانسان نفسه على حق، بينما الآخرين على باطل وكفر وفســق. وما أزمة الانبياء مع قومهم إلاّ أن كان الوجهـاء في تلك المجتمعات يعاتبـون انبياءهـم، أنهم أصبحوا ملجأً للضعفاء والفقراء من الناس، حيث كانوا يطلقـون عليهم تسميـة الأراذل « وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا » (هود/27) فقد كانت تسيطر عليهم الروح الاستكبارية، وروح الاستهانة، واستحقار الآخرين . فلا يصح مطلقاً ان تسود هذه الروح في مجتمع يفترض أن يكون مجتمعاً اسلامياً. فيجب معالجة ذلك عبر بث الثقافة، وتعميم الاخلاق الحسنة على الناس، بحيث تكون الأخلاق فيه مسلكاً لا علماً جافاً ... ان اساس علاج مختلف المشاكل والازمات الاخلافية والفكرية يكمن في التوجه الى الله سبحانه وتعالى، وفي أن يتوجه الانسان بقوة ايمانية الى فهم وإدراك سبب وحقيقة وجوده في هذه الدنيا الزائلة . فاذا عرف الانسان ربه حق معرفته، يكون من المستحيل عليه ان ينحرف . ونحن إذ نستقبل أيام شهر رمضان المبارك، علينا ان نستفيد حق الاستفادة من هذه الفرصة الثمينة، وهذه الطاقة الجبارة، لكي نضع أسس الوقاية ونعمل وفق منطوق ومفهوم النص القرآني القائل: « وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ » ثم نعمل على توجيه المجتمع الى العمل الجدي بالحسنات، لنرى بعد ذلك انقشاع السيئات والموبقات ؛ الواحدة بعد الأخرى . مدرسة التربية والفضيلة شهر رمضان هو مدرسة، شريطة ان ينظر اليها الانسان كمدرسة يتعلم فيها القيم والمبادئ الاخلاقية والروحية. اما الذي يدخل هذا الشهر الكريم كما يدخل اي شهر آخر، فانه سوف لايصبح بالنسبة اليه مدرسة، بل قد يسبب له انتكاسة وهبوطاً في المستوى الروحي بدلاً من ان يدفعه الى الأمام. الصيام مدرسة : هذه الحقيقة هي الحقيقة الاولى والاخيرة التي يجب ان ندركها في هذا الشهر الفضيل؛ فالصيام هو - بحد ذاته - مدرسة، لانه يربي في الانسان الارادة، ويزوده فوق ذلك بصفة التقوى، هذه الصفة التي لو امتلكها الانسان وتسلح بها لاستطاع ان يقاوم ضغط الشهوات، وضغط المجتمع.. والتقـوى هي اعظم سلاح بيـد الانسـان، يستطيع بواسطتـه ان يسخر الطبيعة ويذللها له. وفي هذا المجال يقول القرآن الكريم : « يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » ( البقرة / 183 ) هدف الصيام التقوى : فالهدف من الصيام هو تنمية ملكة التقوى في نفس الانسان، ولكن هل بامكان هذا الانسان ان ينتفع من الصيام دون ان يسعى من أجل الحصول على هذه الصفة المثالية ؟ الجواب بالنفي طبعاً. فالذين يصومون دون ان يخلصوا لله تعالى عبادتهم، ودون ان يوحوا الى انفسهم بالدافع الحقيقي الى الصوم، ويصومون دون ان يتورعوا في ايام وساعات صومهم ويوم افطارهم.. فان مثل هؤلاء لايمكن ان يستفيدوا من شهر رمضان، كما جاء في الحديث الشريف : كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش .([16]) وبالاضافة الى ذلك فان شهر رمضان المبارك هو ربيع الدعاء، والدعاء هو مدرسة للانسان يستطيع من خلال التتلمذ فيها ان يصعد الى اعلى عليين بأن يصقل ذاته، ويبلور مواهبه، ويتعرف على الطاقات الكامنة في نفسه ليستخرج كنوزها من خلال الدعاء . وعلى سبيل المثال فلو تدبر الانسان المسلم في دعاء (الافتتاح) لحصل له جزء لايستهان به من معرفة الله سبحانه وتعالى. فهناك فرق بين ان يؤمن الانسان بالله ايماناً اولياً فطرياً بأن يعرف ان لهذه السماء المبنية، ولهذه الارض المدحية مدبراً وخالقاً يدبرهما ويديرهما، فهذه درجة بسيطة من الايمان، وبين ان يصل هذا الانسان الى درجة اليقين حيث تأتي بعد هذه الدرجة درجـة التوكل ثم درجة التفويض التي يقول عنها الحديث الشريف : اول العلم معرفة الجبار وآخر العلم تفويض الأمر إليه .([17]) ثم يصل الانسان الى درجة لو كشف الغطاء عنه مازداد يقيناً. ومن الطبيعي انه ليس من البساطة ان وصول الانسان الى هذا المستوى الأرفع والأسمى من الايمان. الادعية تزودنا بمعرفة الله : وهكذا فان ادعية شهر رمضان، وخصوصاً دعاء الافتتاح تزودنا بمعرفة الله تبارك وتعالى، ومعرفة صفاته واسمائه. اما اذا قرأنا هذه الادعية دون ان نتوجه الى معانيها ونتدبر فيها، ودون ان نتعمق في كلماتها واصولها، ويسودنا الشعور باننا نقف امام خالقنا ومن بيده أمرنا ومصائرنا، فان قراءة هذه الادعية سوف تصبح بالنسبة الينا كقراءة الصحف والقصص، وحينئد سوف لا يكون الدعاء مدرسة لنا. فلننظر في شهر رمضان الكريم كم درجة من التقوى ارتقينا، وكم مرتبة من الايمان ارتفعنا، وليكن جهد الواحد منا منصباً على الحصول على درجات أعلى. وهذا لايمكن إلاّ من خلال السعي المكثف، وقراءة الآيات القرآنية. فالقرآن هو مدرسة الانسان، وهو الذي يربي الانسان يرفعه الى مصاف الملائكة. فهو بصيرة للانسان تفتح امام عينيه آفاقاً لاتحد شريطة ان يقرأه قرآءة تدبر وتفكر واستلهام واستيحاء، لا ان يقرأه وقلبه تثقله الافعال والاغلال كما يقول عز وجل : « أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ » (محمد / 24) فقبل كل شئ علينا ان نفتح هذه الاقفال من قلوبنا، ونخرجها من القوقعة التي وضعناها فيها هذه القوقعة التي يطلق عليها القرآن الكريم اسم (الغلف) في قوله عز وجل : « وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ » (البقرة / 88)؛ اي ان قلوب هؤلاء قد وضعت في ما يشبه (القمقم) ثم انغلق هذا القمقم عليها فهي لا تخرج منه، فالقلب الذي ينغلق بالشهوات ويصبح سجين الاوهام والخرافات لايمكنه ان يفهم شيئاً. فهو ينظر الى القرآن من زاوية هذه الشهوات والاهواء، وعبر منظار الاوهام والخرافات. وهذه حقيقة ملموسة لاسبيل الى انكارها. تفسير حسب الأهواء : وللأسف فأن البعض من الناس يفسرون الآيات القرآنية حسب اهوائهم، لانهم يعيشون في جو هذه الاهواء دون ان يشعروا، ودون ان يعرفوا انهم يعبدون اصنام انفسهم. فهناك البعض يعبدونه حقاً، ولكنهم عندما يموتون ويستيقظون على الحقيقة المرة، فان يقظتهم هذه سوف لاتنفعهم شيئا، وسوف لاينفعهم قولهم : « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ » (المؤمنون / 99 -100 )، لان الله تعالى سوف يجيبهم قائلاً : «كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (المؤمنون / 100) واذا ما أردنا ان نمثل شهر رمضان المبارك بمدرسة، قلنا ان الصوم يمثل فصلاً من هذه المدرسة، ولايمكن دخولنا فيها عبر مجرد صيامنا او تلاوتنا للقرآن او قراءتنا للادعية، فحسب بل لنحاول ان نجعل صيامنا صيام تقوى، وقراءاتنا للادعية قراءة نستهدف من ورائها تحصيل معرفة الله عز وجل، وذلك من خلال مناجاته. فنحن لا نستطيع ان نعرف الخالق تعالى من خلال الأدلة النظرية، بل يجب ان نتعرف عليه بقلوبنا ليتجلى لنا. وقد جاء في الحديث الشريف : ان الله قد تجلى لعباده في كتابه ولكن اكثر الناس لايبصرون . فالقرآن الكريم هو تجل لذات الله عز وجل، وما علينا إلاّ ان نحاول ان نجد ربنا في ثنايا الآيات القرآنية. ضرورة الاعتراف بالنواقص : وبالتالي فان علينا ان ندخل هذه المدرسة المتكاملة، لكن نزكي انفسنا من خلال معرفة الله، وقراءة القرآن. وتزكية الانسان لنقسه تعني اولاً ان نعترف سلفاً بان لنا اخطاء وفينا نواقص. فالانسان الذي يرى سلفا انه كامل، ومعصوم من الزلل، فانه لايستطيع ان يزكي نفسه. فعلينا - اذن - قبل كل شئ ان نعترف بنواقصنا، ونبحث عنها من مثل النقص في الايمان، والارادة وسائر الصفات الاخرى من قبيل صفة الصدق. فالكثير منا يحسب نفسه صادقاً، ولكنه عند العمل يكتشف انه ليس صادقاً بما فيه الكفاية. فعندما يسأل هل كان صادقاً أم كاذباً عندما انتقد فلاناً من الناس، وهل كان انتقاده هذا من وحي ايمانه وعقله وعلمه أم كان بدافع الشهوات والاهواء ؟ فانه سرعان ما يجيب انه كان صادقاً ومخلصاً في انتقاده، في حين انه لم يكن كذلك في الحقيقة. وهكذا فان المهم ان نعرف اخطاءنا، وان نكتشف تلك الثغرات الموجودة في ذواتنا، وخصوصاً خلال شهر رمضان الذي يعتبر فرصة ذهبية لاصلاح الانسان لنفسه. اما اذا انتهى هذا الشهر دون ان نوفق الىاصلاح هذه العيوب والنواقص، فانها سوف تتكرس في ذاتنا. فالانسان الذي يعاني من مرض نفسي ثم يفرأ القرآن، ولا يحاول ان يستغل هذا القرآن في سبيل ازالة هذا المرض، فان مثل هذا الانسان في صدره قلباً قاسياً يقاوم الهداية والخير والنور. وللأسف فان هناك من بيننا من اتبع الجاهلية، فتراه يقرأ القرآن دون ان يتأثر قلبه، وكأن هذا القلب تحول الى حجارة. ولذلك فان علينا ان نعرف ان شهر رمضان يعتبر بالنسبة الى الانسان مدرسة، كما ويكون في احيان اخرى بمثابة نكسة له. زكاة الحقيقة التقوى : وفي هذا المجال يقول القرآن الكريم : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَاَكُم مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى » (النجم / 32). فزكاة الحقيقة هي التقوى، والمقياس هو العمل الصالح، كما يقول تبارك وتعالى في آية أخرى : « أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَايَحْكُمُونَ » (الجاثية / 21). فلا يحاول الواحد منا ان يصل الى مستوى من الوعي والتقوى إلا من خلال العمل الصالح، وإلاّ فمن المستحيل ان يجعل الله سبحانه وتعالى ذلك الذي لم يعمل الصالحات في مستوى واحد مع ذلك الذي اجتهد وعمل في شهر رمضان. فالله عز وجل انما خلق السماوات والأرض بمقياس الحق، واعطى لكل ذي حق حقه. اما ان يتفضّل تعالى على الانسان عبثاً، ومن دون عمل واجتهاد، فان هذه الفكرة يجب ان نخرجها من اذهاننا. وبناء على ذلك، فان علينا ان نعود انفسنا على الكدح والتعب، وعلى مقاومة جاذبية الراحة، والشهوات. فعلينا ان نتحرر من هذه الجاذبية ونبتعد عنها، وشهر رمضان المبارك هو افضل فرصة لذلك. وعلينا ان نتذكر في هذا المجال اننا لانستطيع ان نخترق الحاجز النفسي في قلوبنا حتى لو حصلنا على الوعي، والثقافة الرسالية السياسية. فهذه الاشياء وحدها لاتكفي، فالايمان على نوعين؛ مستقر، ومستودع. والانسان المستقر هو الذي يدخل القلب، ويخترق الحواجز النفسية. ولذلك فاننا نقرأ في احد ادعية شهر شعبان : اللهم صل على محمد وآل محمد واعمر قلبي بطاعتك، ولاتخزني بمعصيتك .([18]) فهذه الطاعة يجب ان تدخل في القلب، وتعمره. اما النوع الآخر من الايمان، فهو الايمان المستودع الذي يشبه الامانة التي يجب ان تسترد من المؤتمن عليها. ومن المعلوم ان مثل هذا الايمان، من الممكن في أية لحظة ان يسترد منا. لا نجاح للعمل بدون تزكية : وهكذا فان الايمان يجب ان يكون حقيقياً، والتزكية ذاتية، وإلاّ فان العمل لايمكن ان ينجح، وقد قال (النبي صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال : انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق .([19]) فلو لا اكتمال الاخلاق الحسنة لدى الانسان، وبلوغه مستوى اخلاقياً يستطيع من خلاله ان يقابل الضغوط، لما كان قادراً على ان يعمل في سبيل الاسلام. ولا بأس في هذا المجال ان ننقل للقارئ الكريم بعضاً من الاحاديث والروايات عن المعصومين (عليهم السلام) حول تزكية النفس، والجد والاجتهاد. فقد روي في هذا الصدد ان قيس بن عاصم قال : وفدت مع جماعة من بني تميم الى النبي (صلى الله عليه وآله) فدخلت وعنده الصلصال بن الدلهمس فقال : يا نبي الله عظنا موعظة ننتفع بها فانّا قوم نعمر في البرية. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا قيس ان مع العز ذلاً، وان مع الحياة موتاً، وان مع الدنيا آخرة، وان لكل شئ حسيباً، وعلى كل شئ رقيباً، وان لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، ولكل أجل كتاباً .([20]) وكلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه واضحة. فالدنيا هي تركيبة من الحقائق؛ فبعد الحياة موت، وبعد العز ذل، والعمل وراءه حساب، فنحن لانستطيع ان ننكر هذه الحقائق. فالاولى بنا - إذن - ان نركب انفسنا وعقولنا على مقياس الحقائق الكونية، فلماذا نبالغ ونكابر ؟ فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكرنا بان هذه الحقائق موجودة، فليس من الصحيح ان ننكرها، ونحاول ان نهرب منها. وعن الامام الصادق (عليه السلام) انه روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، فحسن منقلبه اذ رضي عنه ربه عز وجل. وويل لمن طال عمره وساء عمله، فساء منقلبه اذ سخط عليه ربه عز وجل .([21]) وهكذا فان الانسان المسلم لايمتلك في حياته سوى بضعة اشهر من رمضان، وهو مع ذلك لايعرف هل سيعيش في الشهر القادم ام لا. فهناك الكثير ممن طواهم الموت قبل فترة قصيرة وقد كانوا يحسبون انهم سيعيشون رمضان، والبعض منهم كان قريباً من هذا الشهر، وكان قد وضع لنفسه برنامجاً فيه، ولكن المنية عاجلتهم. ولذلك فان على الانسان ان يسعى ويبذل جهده، وان يقاوم الوساوس الشيطانية التي تحاول ان تثبطه. فالشيطان يغوي الانسان، ولا يريد له الخير، ويحاول ان يسحبه الى الارض، ويغله باغلالها. وقد يكون هذا الشيطان جنياً لايستطيع الانسان رؤيته، وقد يكون إنسياً تراه؛ فهو قد يوسوس لك من خلال صاحبك، فيضلك عن الطريق. ولذلك يؤكد القرآن الكريم على هذا المعنى قائلاً في سورة (الناس) : « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ » فهنالك اناس هم في الظاهر معك، ولكنهم في الحقيقة شياطين يحاولون ان يضلوك ويغووك ويحرفوك عن جادة الحق تحقيقاً لأهدافهم الخبيثة. بذل الجهد هو المقياس : فليكن لدينا مقياس، وهذا المقياس هو ان نبذل كل جهدنا، وان لا ندخر وسعاً - إن كان بسيطاً - إلاّ وبذلناه في سبيل الوصول الى أهدافنا وأمانينا التي من أهمها تزكية النفس، وتنمية المواهب الخيرة فيها، وتصفية الذات من الشهوات، وتقوية الارادة.. وهذه هي الأهداف البعيدة المدى، التي نرجو تحققها في شهر رمضان الفضيل. واذا ما وهنّا وانهزمنا نفسياً، واذا تصورنا اننا لا نستطيع ان نخرق حجب ذواتنا، ونصل الى معادن النور، فلنحاول -حينئذ- ان نتضرع الى الله جلت اسماؤه، وان نتوسل اليه، ونتكل عليه. فهو تعالى قادر على ان ينتشلنا من تلك الحالة النفسية السلبية، وان يرفعنا الى أعلى عليين بقدرته التي خلق بها السماوات والارض. ولذلك فان علينا دائماً ان نرغب الى الله، ونتوسل اليه في دعائنا لكي نجد الخشوع في انفسنا، وتجري الدموع من أعيننا، وحينئذ سوف تتفتح امامنا ابواب السماء، لتنهمر منها الرحمة الالهية الواسعة. مكاسب رمضانية ان ليالي شهر رمضان عندما تبدأ بالتصرم والانقضاء، بعد ان كانت حافلة بالتهجد والعبادة والتبتل وحضور مجالس العلم، لابد ان تكون بايامها مدرسة كافية لصياغة شخصيات المؤمنين من جديد وتربيتهم وتزكيتهم. ففي هذه الليالي الاخيرة يستعد الجميع لوداع هذا الشهر المبارك. فنحن عندما نودع هذا الشهر الكريم نكون كمن يزور مدينة جميلة رائعة، فيطوف في ارجائها، ويتمتع بمناظرها، ويستريح الى افيائها، ثم هو يريد ان يغادرها ليعود الى بلده. فما هو واجبه في هذه الحالة ؟ انه - بالطبع - لابد ان يفتش في هذه المدينة عن أجمل ما يمكن يحمله معه من متاع وتحف وهدايا وما الى ذلك، فيقول في نفسه : مادمت سوف اغادر هذه المدينة، فلأجمع من تحفها، وآثارها ما انتفع به في بلدي. وهكذا الحال بالنسبة الى شهر الله العظيم رمضان، فاننا في كل عام نودعه. فكيف - ياترى - نحمل تحفه الىغيره من الشهور ؟ فمسؤوليتنا في الاسبوع الاخير من شهر رمضان المبارك، تتمثل في ان نحمل ما يمكننا حمله من مدينة المغفرة والرضوان الى سائر الايام. مكاسب رمضانية : السؤال الآخر والمهم هو : كيف نكرس مفاهيم وقيم الايمان وروح التقوى التي حصلنا عليها في هذا الشهر الفضيل في انفسنا دائماً وابداً ؟ وللأسف الشديد حقاً، فان البعض من المسلمين - وهم ليسوا بالقليل في البلدان الاسلامية - لايصلون إلاّ في شهر رمضان. فترى الواحد منهم اول يوم من ايام شهر رمضان يغتسل غسل التوبة ويغيّر ملابسه، فلا تلقاه إلاّ في المساجد والمحافل الدينية والروحية. فيصوم النهار، ويتعبد في الليل الى يوم العيد، ليعود في هذا اليوم الى موبقاته، وخطاياه، وآثامه، وكأن من الواجب عليه ان لايكون انساناً صالحاً إلاّ في شهر رمضان !! ترى ما هو السبيل الى ان لا نكون من ضمن هذه الفئة من الناس، وكيف نمتنع في شهر رمضان عن الغيبة، والتهمة وسوء الظن بالآخرين، وسائر الصفات السيئة، ثم نستمر على هذه الحالة حتى بعد شهر رمضان ؟ للاجابة علىهذا التساؤل المهم نقول : ان هناك حقيقة أكدت عليها الروايات والاحاديث الشريفة، وهي ان الانسان الذي يتوب الى الله جل وعلا إن قبلت توبته، فان قلبه سوف لايحن الى الذنب مرة اخرى، وإن لم تقبل فانه يبقى في حالة حنين واشتياق الى اقتراف الذنب. ونحن في الليالي الاخيرة من شهر رمضان المبارك نؤكد الميثاق مع الله تبارك وتعالى على ان لا نعود مرة اخرى الى الذنوب، ونستغفر خالقنا بقلوبنا كما نستغفره بألسنتنا. فما علينا في هذه الحالة إلاّ ان نراجع هذه القلوب؛ فان كانت تريد العودة الى الذنوب، فهذا يعني ان توبتنا لم تقبل بعد، وان علينا ان نجتهد فيما تبقى من شهر رمضان. اما اذا اصبح القلب كارهاً للذنب، واذا ما استشعر الندم الحقيقي، فحينئذ ستكون مقبولة. تحديد الذنوب : وعلينا نحن ان نحدد أولاً الذنوب التي ندمنا عليها. ولقد كان الزهاد والعبّاد قديماً عندما كانوا يحاسبون انفسهم، يبادرون الى تسجيل ذنوبهم، فوجد انه قد ارتكب سبعين ذنباً خلال سبعين عاماً وليس خلال يوم واحد. اما نحن فاننا اذا سجلنا ذنوبنا من الصباح حتى الليل فمن الممكن ان تبلغ ذنوبنا ذلك العدد خلال يوم واحد ! فلا بــأس - إذن - من ان نسجل الذنوب التي اقلعنا عنها. اما ان ندعي اننا منزهون عن الخطايا، ونزكي انفسنا، ونرى اننا طاهرون مطهرون، فان هذا التصور يعتبر - بحد ذاته - أعظم الذنوب. فالعجب، والغرور، وتنزيه النفس، كل ذلك هو من الكبائر. وبناء على ذلك؛ فمما لاشك فيه اننا قد اقترفنا الذنوب، فلنعيّنها بالتحديد. ولنقم بهذه العملية في الليالي الاخيرة من شهر رمضان المبارك من خلال تحديدها، والندم عليها، والاستعاذة بالله العزيز من شر الشيطان الذي دفعنا الى ارتكابها. فلنبادر الى تسجيلها، ولنعقد العزم من الآن على ان لانعود اليها، ولنحاسب انفسنا يومياً لنرى هل عدنا الى اقتراف ذنوبنا ام لا، وإلاّ فان من العبث ان نستغفر الله تبارك وتعالى من الذنوب ثم نرتكبها مرة اخرى. فمن يضمن انك بعد تلك الذنوب ستوفق الى التوبة ؟ فهناك من الذنوب ما ينساه الانسان، فما من احد يستطيع ان يدعي انه يتذكر كل ذنوبه. الاجواء الايمانية : وثمة ملاحظة تتمثل في ان الانسان بامكانه ان يبقى طاهراً إذا عاش في جو طاهر، وبيئة نقية نزيهة. فهو يتعرض في هذه الدنيا الى ضغوط الشهوة من الداخل، والمجتمع من الخارج، والشيطان من الداخل والخارج معاً، فلا يدعه كل ذلك يعيش نقياً طاهراً من الذنوب. وهكذا فلا بد من أجل ان نحافظ على مكاسبنا الايمانية التي حصلنا عليها خلال شهر رمضان ان ندخل في حصن الولاية؛ أي ان يجتمع بعضنا الى بعض، ونكون ضمن تجمعات ايمانية صادقة يوحي بعضها الى بعض تقوى الله، وتتبادل النصيحة، ويحرض بعضها البعض الآخر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتالي فان هذه التجمعات ستمنحنا حصانة تحول دون الوقوع في الذنوب مرة اخرى. شهر رمضان ربيع الايمان : ان شهر رمضان الفضيل هو بالنسبة الينا ربيع الايمان، وربيع التقوى، وربيع الصفات الحسنة، وربيع تلاوة القرآن الكريم... ومن المعلوم ان نفوسنا تشحن في الليالي والايام الاخيرة من شهر رمضان بسيل من التوجيهات والتعليمات، ولو اننا استفدنا من كل توجيه وحديث فائدة حقيقية تنفذ الى قلوبنا، واذا ما استوعبنا من كل حديث كلمة معبرة، ونصيحة مؤثرة، فسوف ينهمر علينا شلال من النور، وسيل غامر من الرحمة الالهية. ان شهر رمضان هو شهر الله، والشيطان الرجيم مغلول ومقيد فيه. فلا بد لكل واحد منا من ان يحافظ على هذه الاجواء الروحية، والتعاليم والقيم من خلال الحرص على تشكيل تلك التجمعات، والانضمام اليها. ومن الحقائـق الملموسة في علمنــا، ان كل واحد منا لايمكنه ان يعيش فرداً، بل لابد له من يعيش في اطار تجمع. وحتى المؤمنون في الجنة، فعلى الرغم من انهم في شغل فاكهون هم وازواجهم، إلاّ انهم يتخذون اصدقاء واصحاباً يجلسون معهم، ويتحدثون اليهم. وبالتالي فان لذات الجنة لاتشغلهم عن لذة مجالسة اخوتهم. وهكذا الحال بالنسبة الى الدنيا، فان لذة الانسان المؤمن تتمثل في لقاء الله جل وعلا، ولقاء الاخوة الذين يحبهم في الله. توحيد القلوب : وبالطبع فان هناك بعض الثغرات، والنواقص الروحية، وهي ان يعمد الشيطان الى افسار ما بينك وبين اخوتك. فلنحاول في شهر رمضان بما استغفرنا ربنا، وبما استطعنا ان نرفع الحواجز التي كانت قائمة بيننا وبين اخوتنا، ان نقترب منهم. فحبهم في ذات الله هو مقياس لمدى ايماننا، ومدى قدرتنا على حل مشاكل مجتمعنا. وللأسف فان المجتمعات التي عشنا فيها كان بعضها متخلفاً، وكانت تدعونا الى التدابر والقطيعة، وتدفعنا الى التنابز بالالقاب القبيحة. فلنحاول ان نتخلص من هذه الرواسب. فمن المفترض فينا ان لا نفتش عن ابناء مدينتنا او جيراننا او اقربائنا لكي نتخذهم اصدقاء، بل علينا ان نبحث عن اخوة لنا في الايمان في مــدن وبلدان اخرى لكي نحتضنهم ونتخذهم اصدقاء. وهذا هو المستوى الذي يجب ان نرتفع ونسمو إليه. ولنا في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله ) خير قدوة واسوة حسنة لنا في هذا المجال. فقد جعل (صلى الله عليه وآله) سلمان الفارسي من أهل بيته فقال: سلمان منا أهل البيت .([22]) وهكذا الحال بالنسبة الى ابن ام مكتوم الرجل الضرير والمعدم، الذي كان منبوذاً في المجتمع الجاهلي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي...وهذا هو السر الذي جعل أهل افريقيا - مثلاً - يؤمنون بالاسلام، ويمقتون العنصرية والجاهلية الغربية، وهو نفسه السر الذي جعل أهل ايران يفتخرون بسلمان المحمدي، ذلك لانه ادرك ان الاسلام لا مكان للعنصرية فيه. فلنحاول نحن ايضاً ان نعود الى صفاء الاسلام ونقائه وروحه، وإن كانت هناك عصبية فلنبتعد عنها ابتعادنا عن الجيفة المنتنة. فعن أبي عبد الله الامام الصادق (عليه السلام) يقول : من تعصَّب عصبه الله عز وجل بعصابة من نار .([23]) الاستمرارعلى الممارسات العبادية : ان الذي نحتاجه من أجل ان نحمل هدى رمضان الى الاشهر الاخرى، هو ان نحافظ ونواظب على بعض الممارسات التي اكتسبناها من شهر رمضان، من مثل صلاة الليل وتلاوة القرآن وقراءة الأدعية، وما الى ذلك من الممارسات العبادية. وبالطبع فاني لا اقصد ان يعود أحدنا نفسه على اداء تلك العبادات كلها، فمن الممكن ان تكون هذه العملية صعبة علينا، بل لنحاول ان نتعود على واحدة من تلك الممارسات على الاقل، وان لانتركها. كأن نستمر - مثلاً - في تلاوة القرآن الكريم، ونواظب عليها بعد شهر رمضان المبارك. ولنا في سلفنا الصالح خير قدوة في هذا المجال، فقد كان كل واحد منهم يختم القرآن الكريم في كل ليلة، فيبدؤون بقراءته من أوّل الليل ليفرغوا منه في آخره، وذلك في شهر رمضان. اما نحن فلا نقرأ منه سوى جزء في الليلة الواحدة، وبالطبع فانه لابأس بهذا المقدار من القراءة شريطة الاستمرار عليها بعد شهر رمضان، لان هذا الاستمرار من شأنها ان يكرس هذه العادة الحسنة في انفسنا، ويجعلها تؤتي ثمارها وأكلها المتمثل في تهذيب السلوك، وتعديله على ضوء وصايا وتوجيهات وارشادات هذا الكتاب العظيم. وصايا رمضانية تقبل علينا في كل عام أيام شهر رمضان، واولئك الذين يستعدون لاستقبالها هم الذين يستطيعون ان يحرزوا فيها نجاحاً كبيراً. اما اولئك الذين يهملون استقبال هذا الشهر، ويتركون الاهتمام بأيامه المباركة وساعاته، فانهم سوف يدخلون هذا الشهر العظيم ويخرجون منه كما كانوا قبل دخوله . وعلى هذا فان شهر رمضان، هو شهر الرحمة ولكن لمن تعرض للرحمة، وهو شهر المغفرة ولكن لم استغفر، وشهر الرضوان لمن اراد الرضوان. أما إذا لم يتحرك الانسان ويسعى، فان هذا الشهر ستنقضي أيامه، ويسجل في حسابه شهراً كاملاً دون ان يحصل على مكسب ملموس. فلا يكن نصيب الواحد منا منه، إلاّ الجوع والعطش دون الرحمة والرضوان. فالله سبحانه وتعالى أعدَّ لنا فيه مائدة مباركة عظيمة، والرجال الذين يدخلون في رحاب رحمة الخالق هم الذين ينتفعون بهذه المائدة. كيف نستعد لشهر رمضان ؟ والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو : كيف نستعد لشهر رمضان ؟ قبل أن أجيب على هذا السؤال، لابد من ان نذكر ملاحظة مهمة علينا ان نأخذها بنظر الاعتبار، وهي اننا نرى بعض الناس خاشعين في صلاتهم، والبعض الآخر يصلي صلاة كنقر الغراب، والسبب في ذلك ان الانسان الذي يكون خاشعاً وخاضعاً في وضوئه، يكون كذلك في صلاته؛ اي ان الانسان الذي يهتم بالوضوء الذي هو مقدمة الصلاة، ويهئ نفسه للصلاة، فان الصلاة التي يؤديها ستكون صلاة سليمة. اما ذلك الذي يتوضأ وهو مشغول في أمور الدنيا، فان فكره سوف لايكون متركزاً على الوضوء، ولذلك فان تفكيره سوف لايكون منصّباً على الصلاة ايضاً. وعلى هذا فان من يسبغ وضوءه، ويؤدّيه حق ادائه، فانه سوف يخشع في صلاته. والعكس صحيح . وعلى هذا الاساس، فان علينا ان نعدّ انفسنا قبل ان ندخل شهر رمضان. فكيف نهئ انفسنا، وماذا علينا ان نفعل ؟ ضرورة البرمجة لشهر رمضان : ألف: علينا أوّلاً ان نلتزم ببرنامج معين. فالله سبحانــه وتعالـى عندما فرض الصلاة، فانه حدد لنا اوقاتها، وأكد على اقامتها في هذه الاوقات في قوله : « إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً » (النساء / 103)، وقوله : « حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى » (البقرة / 238). فلا يجوز لنا ان نصلي في أي وقت شئنا، ولكننا نرى - للأسف - بعض الظواهر السلبية في هذا المجال. فهناك منا من يجمع صلوات السنة باكملها ليؤديها في شهر رمضان، او يؤخر صلوات النهار ليؤديها في الليل. فهل مثل هذه الصلوات مقبولة ؟ ان المطلوب ان تؤدّى الصلاة في وقتها المحدد لها، وهذا يعني ان حياة الانسان يجب ان تكون مبرمجة. فكل شئ بوقته؛ الأكل والشرب والنوم والطاعات.. ربيع القرآن : باء: ان شهر رمضان هو ربيع القرآن. وفي هذا المجال لدي ثلاث نصائح اقدمها، فيما يتصل بتلاوة القرآن في شهر رمضان: 1- علينا ان نجتنب قراءة القرآن لوحدنا، بل لنقرأه مع اولادنا وزوجاتنا، ولنبدأ بجلسة القرآن بعد وجبة الافطار مباشرة، وليحضر معنا حتى الطفل الرضيع مهما كان عمره، لان الانسان يتوجه منذ طفولته. وعلى هذا يجب علينا ان نضع برنامجاً لأولادنا، لان لهم حقاً علينا. فالقرآن الكريم يقول : « يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً » (التحريم / 6)، ويقول: « وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا » (طه /132)، فهل يحب أحدنا ان يحترق أولاده في نار جهنم ؟ 2- لنقرأ في كل يوم جزء او جزئين من القرآن حسب قدرتنا، ولنخصص في كل يوم وليلة وقتاً معيناً للتدبر في القرآن . 3- لنحاول ان نحفظ سورة واحدة من سور القرآن المتوسطة كسورة الحجر، او الرعد، او ابراهيم. فقد روي في هذا المجال عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : عدد درج الجنة عدد آي القرآن، فاذا دخل صاحب القرآن الجنة قيل له : ارقـأ واقرأ لكل آية درجة فلا تكون فوق حافظ القرآن درجة .([24]) فليحاول كل منا ان يحفظ القرآن حسب استطاعته، وان يضيف الى رصيده في كل سنة سورة، ولاينس ان يقرأ هذه السورة في احدى صلواته. فلا تأتين يوم القيامة، وقد حصل الجميع على جوائز، وتقف أنت وقد لفتك الحسرة والندامة . فلنفكر في انفسنا؛ اين سنذهب غداً، وماذا سيقولون لنا، وماذا يطلبون منا ؟ ولنعلم ان كلام اللغو واللهو لاينفع، فهو إن لم يضرّك فانه لاينفعك. فمن صفات المؤمنين انهم يعرضون عن اللغو، ويشغلوا انفسهم بدلاً من ذلك بالتسبيح، وقراءة القرآن، وبالتالي فانهم يستفيدون من اوقاتهم. فكل لحظة لايستغلها الانسان، سوف تتحول الى حسرة عليه يوم القيامة. ومن عادة المتحسر انه يعض انامله، ولكنه في يوم القيامة يعض كلتا يديه كما يقول سبحانـه : « وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ » (الفرقان / 27). الاهتمام باحاديث أهل البيت (ع) : جيم: نحن نؤمن بان الرسول (صلى الله عليه وآله) عندما ودعنا، والتحق بالرفيق الأعلى، فانه خلّف وراءه الثقلين؛ كتاب الله، وعترته. فكتاب الله تعالى هو القرآن، واما عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) فتتجسد لنا الآن في هذه الروايات، لان أهل البيت (عليهم السلام) نطقوا بالاحاديث التي نقرؤها. فكم ياترى حفظنا من هذه الاحاديث ؟ ان من الأمور المستحبة للغاية ان يحفظ الانسان أربعين حديثاً، فقد جاء عن الرسول (صلى الله عليه وآله): من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً .([25]) ولذلك فاني انصح اخواني ان يحفظوا في كل ليلة حديثاً مهما كان قصيراً، وانا ادعو الاخوة الخطباء، والاخوان الذين يشرفون على الهيئات ان يعدوا قائمة بالاحاديث القصار لكل معصوم، ثم يطرحون في كل ليلة حديثاً واحداً، وعلى المستمعين ان يحفظوا هذا الحديث. ضرورة صلة الرحم : دال: لنحاول ان نزور اقاربنا في شهر رمضان، وبالطبع فانه الشيطان يسوّف لنا ان نصل ارحامنا في الغد او بعد الغد، وعلينا ان لانسمح له بذلك، فقد جاء في الحديث : إن أهل النار إذا دخلوها، ورأوا نكالها وأهوالها، وعلموا عذابها وعقابها، ورأوها كما قال زين العابدين (عليه السلام): ما ظنك بنارٍٍ لا تبقي على من تضرّع إليها، ولا يقدر على الخفيف عمّن خشع لها، واستسلم إليها، تلقي سكانها بأحرّ ما لديها من أليم النكال وشديد الوبال يعرفون أن أهل الجنة في ثواب عظيم، ونعيم مقيم، فيؤمّلون ان يطعموهم او يسقوهم ليخفَّ عنهم بعض العذاب الأليم، كما قـال الله عز وجل جلاله في كتابـه العزيـز : ونادى اصحاب النار أصحاب الجنة أن افيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قال : فيحبس عنهم الجواب أربعين سنة، ثم يجيبونهم بلسان الاحتقار والتّهوين: إن الله حرمهما على الكافرين قال: فيرون الخزنة عندهم وهم يشاهدون ما نزل بهم من المصاب فيؤمّلون ان يجدوا عندهم فرحاً بسبب من الاسباب، كما قال الله جل جلاله : وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قال : فيحبس عنهم الجواب أربعين سنة، ثم يجيبونهم بعد خيبة الآمال: قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال قال : فإذا يئسوا من خزنة جهنم، رجعوا الى مالك مقدّم الخزّان، وأمّلوا ان يخلّصهم من ذلك الهوان، كما قال جل جلاله : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال : فيحبس عنهم الجواب أربعين سنة وهم في العذاب، ثم يجيبهم كمال قال الله في كتابه المكنون : قال إنكم ماكثون قال : فإذا يئسوا ( يأملون ) من مولاهم ربّ العالمين الذي كان أهون شيءٍ عندهم في دنياهم، وكان قد آثر كلّ واحد منهم عليه هواه مدة الحياة، وكان قد قدّر عندهم بالعقل والنّقل أنه اوضح لهم على يد الهداة سبل النجاة، وعرّفهم بلسان الحال أنهم الملقون بأنفسهم الى دار النكال والأهوال، وأنّ باب القبول يغلق عن الكفار بالممات أبد الآبدين، وكان يقول لهم في أوقات كانوا في الحياة الدنيا من المكلّفين بلسان الحال الواضح المبين : هب انكم ما صدّقتموني في هذا المقال، أما تجوّزون أن أكون من الصادقين ؟ فكيف اعرضتم عني، وشهدتم بتكذيبي وتكذيب من صدّقني من المرسلين ؟ وهلاّ تحرّزتم من هذه الضرر المحذّر الهائل ؟ اما سمعتم بكثرة المرسلين، وتكرار الرسائل ؟ ثم كرّر جل جلاله مرافقتهم في النار بلسان المقال فقال : ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون فقالوا : ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوماً ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون فيقفون أربعين سنة ذلَّ الهوان لايجابون، وفي عذاب النار لايكلّمون، ثم يجيبهم الله جل جلاله : اخسؤا فيها ولا تكلّمون قال : فعند ذلك ييأسون من كل فرج وراحة، ويغلق أبواب جهنم عليهم، ويدوم لديهم مآتم الهلاك والشهيق والزفير والصراخ والنياحة .([26]) وكما في الروايات ان أهل النار في اثناء بكائهم يشتكون من عدة أمور، من ضمنها كلمة (سوف) لان اكثر مايشتكي منه أهل النار تسويف العمل وتأخيره. حيث اروي عن العالم (عليه السلام) أنه قال في كلام طويل... : فلا تدعوا التقرب الى الله جلّ وعز بالقليل والكثير على حسب الامكان، وبادروا بذلك الحوادث، واحذروا عواقب التسويف فيها، فانما هلك من هلك من الأمم السالفة بذلك.. ([27]) ترك الهجر والقطيعة : هاء: ترك الهجر والقطيعة، فلنحاول اعتباراً من أوّل شهر رمضان من كل سنة ان نحارب الشيطان، والنفس الامارة بالسوء. ولنكن نحن المبادرين في ان ننهي هجرنا لاخوتنا. اغاثة المستضعفين : واو: الاهتمـام بالمستضعفيـن والمحروميـن. فالنبـي (صلى الله عليه وآله) يقول في خطبته المعروفة : اتقوا الله ولو بشق تمرة . فلنجعل لانفسنا في شهر رمضان برنامجاً لاغاثة المستضعفين، علماً ان المسلمين لم يكونوا يعالجون مشكلة الفقر بهيئات اغاثة، بل كانوا يطبقون مبدأ التكامل الاجتماعي؛ أي ان كل انسان مسلم يشعر في داخله، بان عليه ان يهتم باخوانه المؤمنين. وانا اطلب بشكل جدي من اخواني المؤمنين ان يبحثوا عن الفقراء المتعففين. الذين يقول عنهم تعالى : « يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْاَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً» (البقرة/ 273). حضور مجالس الذكر : زاء: اكثروا من حضوركم في مجالس الذكر. فكلما كان الحضور فيها أكثر، كلما تنزلت بركات الله علينا أكثر. فيد الله تعالى مع الجماعة، والملائكة تتنزل على هذه المجالس؛ مجالس الذكر. فلنحاول احياء هذه المجالس، لانها حياة القلوب. قراءة الكتب الدينيّة : حاء: الوصّية الاخيرة تتمثل في؛ ان علينا - بالاضافة الى ماسبق - ان نهتمّ بقراءة الكتب الدينية، وخصوصاً المسائل الشرعية. وهنا تنتهي وصايا شهر رمضان الفردية، ولديّ هنا وصية جماعية ترتبط بنا جميعاً، وهي ان شهر رمضان هو مناسبة للتعارف والتآلف والتحابب، ويا حبذا لو ينتمي كل واحد منا الى هيئة خيرية، يتخذها كهدية الى سائر الأشهر. ولا يغيب عنا ان القرآن الكريم حينما يحدثنا عن الشيطان، فانه يصوره باعتباره ألدّ اعداء الانسان. فلأنه لم يسجد لآدم (عليه السلام)، طرد من الجنة، فطلب من الله جل وعلا المهلة فاعطــاه إياهــا، ولم يفكر ان يتوب او يصلح نفسـه، بل قال: « رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَلاُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » (الحجر/ 39 - 40). فاجابه تعالى : « إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ » (الحجر / 42). وهذا يعني ان على كل واحد منا وظيفة اساسية في شهر رمضان تتمثل في القيام بالعبادات والمستحبات حتى يصل الى هذا المستوى، ويصبح من عباد الرحمان . فليكن أهم هدف وتطلع لنا في حياتنا، ان نصبح من عباد الله المخلصين، وان نعتصم بحبل الله سبحانه، ونبعد الوساوس الشيطانية عن انفسنا. في استقبال العيـد ما بقي من شهر الصيام إلاّ أيام وينقضي عنا، ونحن نقف على اعتاب نهايته، نودعه الى العام المقبل لنعيش من جديد اجواءه الروحانية، ونزول ببركاته وخيراته، لابد ان نتساءل : ماهو واجبنا في الأيام المتبقية من شهر رمضان الكريم ؟ واجبات رمضانية : وللجواب على التساؤل نقول؛ لابد ان نلح على الله عز وجل في ان يغفر لنا فيما بقي من شهر رمضان، إن لم يكن قد غفر لنا فيما مضى منه، وان لايدع هذا الشهر الكريم ينقضي عنا دون ان يشملنا بواسع رحمته. فليالي شهر رمضان كلما اقتربت من نهايتها، كلما كانت أكثر استيعاباً للرحمة الالهية، واستجابة الدعاء. وفي ليلـة العيد يغفــر الله عز وجل لعباده بقدر ما غفر لهم في ليالي رمضان بأجمعها. فان فاتتنا - لاقدر الله - المغفرة فيما مضى من هذا الشهر، فلنسع جاهدين من أجل ان لا تفوتنا فيما بقي منه، وهذا هو واجبنا الاول. الواجب الثاني يتمثل في ضرورة التهيؤ النفسي والسلوكي لاستقبال عيد شهر رمضان. فكيف نستعد لهذا العيد، بل ما هو هذا العيد أساساً ؟ ان العيد ليس إلاّ دعوة لمراجعة الماضي، واعادة النظر فيه، ومحاولة تحقيق مستقبل أفضل يثبت واقع الانسان الذي مضى ليبدأ مرحلة جديدة ذات مواصفات جديدة. فالعيد يكرس الخصال الحميدة التي اكتسبناها خلال شهر رمضان او فيما سبقه من الأيام. ومن الناحية المبدئية هناك عيدان رئيسيان للمسلمين؛ العيد الأوّل يحل بعد شهر رمضان، حيث يغتسل الانسان في بحار رحمة الله تعالى، ويخرج من ذنوبه. اما العيد الثاني - وهوعيد الأضحى المبارك - فيأتي هو الآخر تتويجاً لرحلة اخرى يقوم بها الانسان اثناء الحج بجسمه، في حين يقوم بها المسلمون في كافة انحاء الارض ممن لم يوفقوا الى الحج بقلوبهم وأرواحهم، لتتوج هذه الرحلة في نهاية المطاف بالعيد. تكريس للمكاسب الروحية : وبنـاءً على ذلك فـان العيـد - في معنـاه الدقيـق- هو تكريـس وتثبيت لتلك المكاسب الروحية التي حصل عليها الانسان المسلم خلال شهر رمضان، او اثناء أيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة التي تمثل موسم الحج. وهكذا فان العيد هو تثبيت للمكاسب السابقة، وتدشين للمرحلة القادمة، وتأكد من سلامة مواقعنا السابقة، وعزم على البدء بمرحلة جديدة. واذا كان العيد هكذا، فان استقبالنا له ينبغي ان يكون وفق هذا الأفق والرؤية، وذلك من خلال البرامج التي نريد ان نطبقها فيما بعد يوم العيد. اننا نكتسب في كل عام خلال البرامج الروحية لشهر رمضان آداباً ورؤى جديدة، وبذلك يرتفع مستوانا الروحي على المستوى السابق ارتفاعاً ملحوظاً. وعلينا ان نكرس هذا الارتفاع في العيد أوّلاً ثم نبدأ بوضع برامج تفصيلية للمرحلة القادمة، لكي نحافظ على هذا المقدار المبارك من المكاسب التي حصلنا عليها خلال شهر رمضان الفضيل، سواء كانت هذه المكاسب علمية او روحية او حتى سلوكية. ونحن نكتشف خلال هذا الشهر المبارك ان كل واحد منا يعاني من نقائص؛ كأن يكون فينا مقداراً من الكسل، او شيئاً من الضجر والقلق، او الأنانية والذاتية، او قدراً من الانطواء والانغلاق، او عدم الالتزام الكامل بالعهود والمواثيق، وعدم تطابق القول مع الفعل، وما الى ذلك من صفات سلبية يكتشفها الواحد منا في ذاته خلال شهر رمضان، ثم يعقد العزم الراسخ على ان يقتلعها بكل وسيلة ممكنة. اننا إذا أردنا ان نقتلع هذه الصفات السلبية من نفوسنا، فلابد من ان نضع لانفسنا برامج. فنحن لانستطيع ان نغيّر حياتنا إلاّ من خلال هذه البرامج التربوية التي يجب ان نستغل كل لحظة من لحظات اوقاتنا في سبيل وضعها، والتفكير العميق فيها، وذلك من خلال تنظيم هذه البرامج وفق المكاسب التي حصلنا عليها خلال أيام شهر رمضان. تمتين للعلاقات الاجتماعية : ومن البرامج المتعارف عليها في العيد عودة الانسان الى المجتمع. فمن العادات والتقاليد المعروفة في هذه المناسبة التزاور، والتهادي، وتبادل التهاني والتبريكات. وبناء على ذلك فان أيام العيد تعتبر فرصة ثمينة لتمتين اواصر العلاقات الاجتماعية، لاننا اذا تركنا هذه العلاقات تزداد سوءً وانهياراً حتى تصل الى الصفر، فان من الصعب علينا - حينئذ - ان نعيد بناء هذه العلاقات. فلا بد من ان نبقي هذه العلاقات في مستوى، بحيث نستطيع ان نوثقها متى ما شئنا، ومتى ما شعرنا في انفسنا بحاجة الى تمتينها. ولذلك فـان من الواجب على كل واحد منا خـلال أيام العيد، أن يحاول اعادة علاقاته السابقة، كأن يكتب رسالة تهنئة او يتصل تلفونياً ويزور اخوته وأقاربه او من تعرَّف عليه في يوم من الأيام من خلال سفرة وفي أيام الدراسة.. وليكن اهتمامنا في هذا المجال منصباً على صلة الرحم. ان الانسان لايمكنه ان يعيش من دون المجتمع. فالمجتمع ليس فكرة هُلامية في الفضاء، بل هو خلايا متصلة مع بعضها. أقرب هذه الخلايا الى انفسنا أسرتنا وأقاربنا، ثم شعبنا وأمتنا. ولابد ان نبدأ بالخلية الأولى فنعمل على تمتين علاقتنا بها، ثم الخلية الثانية، والثالثة وهكذا. وهناك حديث شريف يقول : تهادوا تحابوا . ([28]) فلنحاول ان نعطي من انفسنا لاخواننا بقدر ما نعطى. ففي هذه الحالة سوف لانخسر شيئاً، بل سنربح لاننا بهذا الاسلوب سوف نكسب حب الآخرين لنا، ونكرس حبنا فيهم. وسواء أحَـبّك الآخرون أم أحببتهم فان هذا يعد مكسباً عظيماً. كم هو جميل ان نشارك اولئك الذين لا عيد لهم كاليتامى والأرامل والمرضى ونزلاء المستشفيات والغرباء المنبثّين هنا وهناك... وفي هذا المجال ينبغي ان نضع في أيـّام العيد برنامجاً لزيارة بيوت المساكين وتفقد احوالهم، وعيادة المرضى الذين لايستطيعون ان يعيشوا بهجة العيد مع الآخرين، ولنشارك الضعفاء والمساكين والمستضعفين فرحتهم في العيد من خلال تقديم العون والمساعدة لهم، ومن خلال الدعاء لهم، وزيارتهم في بيوتهم، والاطلاع على اوضاعهم الاقتصادية المتردّية. وفي هذا المجال علينا ان لا ننسى في أيّام العيد اخواننا المؤمنين في السجون والمعتقلات، ولنحاول ان نفكر فيهم، وفي كيفية انقاذهم من تحت سياط الجلاّدين، ولننظر في مدى عطائنا لشعوبنا الاسلامية، ولنحاول ان نزيد من عطائنا لهم عبر توعيتهم، وتزكية نفوسهم، وتربية الكوادر فيهم، والاهتمام بأوضاعهم، وما الى ذلك من اعمال وممارسات نستطيع بواسطتها ان نساهم في انقاذهم، تجسيداً للمفهوم الحقيقي للعيد. هذا المفهوم الذي يعني بالدرجة الأولى تمتين الاواصر الاجتماعية، ونشر المحبة والوئام بين اوساط المجتمع، والعمل على ازالة كل ما من شأنه الاخلال بوحدة وتلاحم المسلمين. في رحاب شهر الصيام 1/ شهر الله : روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطبنا ذات يوم فقال : أيها الناس انه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة ألله. أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب. فاسألوا الله ربكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه. فان الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لايحل النظر إليه أبصاركم، وعما لايحلّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنّنوا على أيتام الناس يتحنّن على أيتامكم، وتوبوا الى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم، فانها أفضل الساعات، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة الى عباده؛ يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه. أيها الناس إن انفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، واعلموا ان الله أقسم بعزته أن لايعذّب المصلّين والسّاجدين، وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين. أيها الناس من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. قيل : يا رسول الله فليس كلنا نقدر على ذلك. فقال (صلى الله عليه وآله) : اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء . أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفّف في هذا الشهر عمّا ملكت يمينه خفّف الله عليه حسابه، ومن كفّ فيه شرّه كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوّع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة عليَّ ثقل الله ميزانـه يوم تخف الموازيـن، ومن تلا فيه آيـة من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور. أيها الناس إن ابواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة، فاسألوا ربكم ان لا يغلقها عنكم، وأبواب النيران مغلقة فاسألوا ربكم ان لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم ان لا يسلطها عليكم. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : فقمت فقلت : يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟ فقال : يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله.([29]) 2/ إذا أهل هلال شهر رمضان : روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، انه قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أهلّ هلال شهر رمضان استقبل القبلة ورفع يديه، فقال : اللهم أهلّه علينا بالأمن والايمان والسلامة والإسلام والعافية المجلّلة والرزق الواسع ودفع الأسقام. اللهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه، اللهم سلّمه لنا وتسلّمه منّا وسلّمنا فيه. ([30]) 3/ غـرة الشهـور : عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال : إنّ عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض. فغرّة الشهور شهر الله عزَّ ذكره، وهو شهر رمضان. وقلب شهر رمضان، ليلة القدر. ونزل القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشهر بالقرآن. ([31]) 4/ حرمة شهر رمضان : عن أبي بصير قال : دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: ما تقول في الصلاة في شهر رمضان ؟ فقال : لشهر رمضان حرمةٌ وحقٌ لا يشبهه شيء من الشهور، صلِّ ما استطعت في شهر رمضان تطوُّعاً بالليل والنهار، فان استطعت ان تصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة (فافعل). إنَّ علياً (عليه السلام) في آخر عمره، كان يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة. ([32]) 5/ الصوم جُنّة : عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بُني الإسلام على خمسة أشياء؛ على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصوم جُنّة من النار. ([33]) 6/ زكـاة الأبـدان : عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام)؛ أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه : ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا : بلى. قال : الصوم يسوِّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبُّ في الله والموازرة على العمل الصالـح يقطع دابره، والاستغفــار يقطع وتينــه. ولكل شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام. ([34]) 7/ الصوم لي : عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إن الله تبارك وتعالى يقول : الصوم لي، وأنا أجزي عليه. ([35]) 8/ واستعينوا بالصبر : عن أبي عبد اللـه ( عليه السلام ) فـي قـول اللــه عـز وجل : « واستعينوا بالصبر » قال : الصبر الصيام. وقال : إذا نزلت بالرجل النازلة والشديـدة، فليصم. فإن الله عز وجل يقول : «واستعينوا بالصبر » يعني الصيام. ([36]) 9/ الصائم في عبادة : عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الصائم في عبادة، وإن كان على فراشه، مالم يغتب مسلماً. ([37]) 10/ للصائم فرحتان : عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال : للصائم فرحتان ؛ فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربّه. ([38]) 11/ عتقاء الله من النار : عـن محمد ابن مروان قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : ان لله عز وجل في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء وطلقاء من النار، إلاّ من أفطر على مسكر. فإذا كان في آخر ليلة منه، أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه. ([39]) 12/ فيه تقسم الارزاق : عن اسحاق بن عمار عن المسمعي أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يوصي ولده إذا دخل شهر رمضان : فاجهدوا أنفسكم؛ فان فيه تقسم الارزاق وتكتب الآجال، وفيه يكتب وفد الله الذيـن يفدون إليه، وفيه ليلـةٌ العمل فيها خير من العمل في ألف شهر. 13/ الشهر المرزوق : عن علي بن أبي حمزة الثمالي قال : كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير : في حديث.. فقال لي : يا أبا محمد، وفد الحاج يكتب في ليلة القدر، والمنايا والبلايا والارزاق وما يكون الى مثلها في قابل. فاطلبها في ليلة احدى وعشرين وثلاث وعشرين، وصلِّ في كل واحدة منهما مائة ركعة، وأحيهما إن استطعت الى النور، واغتسل فيهما. قال : قلت : فان لم اقدر على ذلك وأنا قائم ؟ قال : فصلِّ وأنت جالسٌ. قلت : فان لم أستطع. قال : فعلى فراشك. لا عليك أن تكتحل أوّل الليل بشيء من النوم، إنّ ابواب السماء تفتح في رمضان وتصفّد الشياطين وتقبل أعمال المؤمنين. نعم الشهر رمضان، كان يسمى على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرزوق. ([40]) 14/ فليصم سمعك وبصرك : قــال أبو عبـد الله (عليه السلام) : إذا صمت، فليصـم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح، ودع المراء وأذى الخادم، وليكـن عليــك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك. ([41]) 15/ ما أطيب ريحك وروحك : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : من صام لله عز وجل يوماً في شدَّة الحرِّ فأصابه ظمأ، وكّل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشّرونه، حتّى إذا أفطر قال الله عز وجل له : ما أطيب ريحك وروحك. ملائكتي اشهدوا أنّي قد غفرت له. ([42]) 16/ من لم يغفر له في شهر رمضان : عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : من لم يغفر له في شهر رمضان، لم يغفر له إلى قابل، إلاّ ان يشهد عرفة. ([43]) 17/ سيد الشهور : عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا حضر شهر رمضان، وذلك في ثلاث بقين من شعبان قال لبلال : ناد في الناس. فجمع الناس، ثم صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أيها الناس إنّ هذا الشهر قد خصّكم الله به وحضركم وهو سيّد الشهور، ليلة فيه خير من ألف شهر، تغلق فيه أبواب النار وتفتح فيه أبواب الجنان، فمن أدركه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن أدرك والديه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ فلم يغفر الله له فأبعده الله. ([44]) 18/ التفرغ للعبادة : قـال أبو عبد الله (عليه السلام) : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل العشر الأواخر شدَّ المئزر، واجتنب النساء، وأحيى الليل، وتفرَّغ للعبادة. ([45]) ________________________________________ ([1]) من أدعية شهر رجب / مفاتيح الجنان / ص 133. ([2]) بحار الأنوار / ج 86 / ص 316 / رواية 67. ([3]) مفاتيح الجنان / أدعية شهر شعبان / ص 156. ([4]) الوسائل / ج 7 / ص 227. ([5]) بحار الأنوار / ج 85 / ص 8. ([6]) الوسائل / ج 7 / ص 227. ([7]) بحار الأنوار / ج 2 / ص 88 / رواية 12. ([8]) بحار الأنوار / ج 43 / ص 291 / رواية 54. ([9]) بحار الأنوار / ج 74 / ص 337 / رواية 116. ([10]) بحار الأنوار / ج 96 / ص 357 / رواية 25. ([11]) المصدر. ([12]) بحار الأنوار / ج 6 / ص 40 / رواية 73. ([13]) بحار الأنوار / ج 6 / ص 23 / رواية 26. ([14]) نهج البلاغة / خ 28. ([15]) بحار الأنوار / ج 98 / ص 246 / رواية 4. ([16]) بحار الأنوار / ج 96 / ص 294 / رواية 24. ([17]) بحار الأنوار / ج 91 / ص 80 / رواية 3. ([18]) مفاتيح الجنان / من أدعية شهر شعبان. ([19]) بحار الأنوار / ج 16 / ص 210. ([20]) بحار الأنوار / ج 71 / ص 170 / رواية 1. ([21]) بحار الأنوار / ج 71 / ص 171 / رواية 2. ([22]) بحار الأنوار / ج 11 / ص 313 / رواية 6. ([23]) بحار الأنوار / ج 73 / ص 291 / رواية 18. ([24]) بحار الأنوار / ج 92 / ص 22 / رواية 22. ([25]) بحار الأنوار / ج 2 / ص 153 / رواية 2. ([26]) بحار الأنوار / ج 8 / ص 304 / رواية 63. ([27]) بحار الأنوار / ج 96 / ص 192 / رواية 9. ([28]) بحار الأنوار / ج 77 / ج 115 / رواية 7. ([29]) وسائل الشيعة / ج 7 / ص 227 - 228/ ابواب احكام شهر رمضان. ([30]) الكافي / ج 4 / ص 70 - 71 / رواية 1. ([31]) المصدر / ص 65 - 66 / رواية 1. ([32]) المصدر / ص 154 / رواية 1. ([33]) الكافي / ج 4 / ص 62 / رواية 1. ([34]) الكافي / ج 4 / ص 62 / رواية 2. ([35]) الكافي / ج 4 / ص 63 / رواية 6. ([36]) الكافي / ج 4 / ص 63 - 64 / رواية 7. ([37]) الكافي / ج 4 / ص 64 / رواية 9. ([38]) الكافي / ج 4 / ص 65 / رواية 15. ([39]) الكافي / ج 4 / ص 68 / رواية 7. ([40]) الكافي / ج 4 / ص 156-157 / رواية 2. ([41]) الكافي / ج 4 / ص 87-88 / رواية 3. ([42]) الكافي / ج 4 / ص 64 / رواية 8. ([43]) الكافي / ج 4 / ص 66 / رواية 3. ([44]) الكافي / ج 4 / ص 67 / رواية 5. ([45]) الكافي / ج 4 / ص 155 / رواية 3.







