کتابخانه:شهر الله
|
خطا در ایجاد بندانگشتی: نمیتوان تصویر بندانگشتی را در مقصد ذخیره کرد | |
| نویسنده | محمدتقی مدرسی |
|---|---|
| زبان | عربی |
| ناشر | مؤسسه فرهنگی و اطلاع رسانی تبیان |
| محل انتشارات | قم |
| تاریخ نشر | 1387 |
| دانلود | |
محتویات
- ۱ المقدمـة
- ۲ القسم الثقافی
- ۲.۱ الاستقبال ضرورة
- ۲.۲ شهر رمضان.. محطة روحیة
- ۲.۳ التوبة.. العودة الى ریاض الایمان
- ۲.۴ شهـر المواساة
- ۲.۵ شهر النعم والبرکات
- ۲.۶ نعمة القـرآن
- ۲.۷ نعمة الاهتمام بأمور المسلمین
- ۲.۸ مدرسة التربیة والفضیلة
- ۲.۹ الصیام مدرسة
- ۲.۱۰ هدف الصیام التقوى
- ۲.۱۱ الادعیة تزودنا بمعرفة الله
- ۲.۱۲ تفسیر حسب الأهواء
- ۲.۱۳ ضرورة الاعتراف بالنواقص
- ۲.۱۴ زکاة الحقیقة التقوى
- ۲.۱۵ مکاسب رمضانیة
- ۲.۱۶ وصایا رمضانیة
- ۲.۱۷ واجبات رمضانیة
- ۲.۱۸ فی رحاب شهر الصیام
- ۳ پانویس
المقدمـة
ما ان یطل شهر رمضان الکریم، إلاّ وقلوب المؤمنین تزداد إلیه حنانـاً، وتهتز إلیه شوقاً.. لانه ربیع القلـوب، وحیاة النفوس، ومبعث الخیر، ووسیلة القرب الى الله عز وجل.
ان شهر رمضان الفضیل هو خیر قنطرة توصلنا الى ربنا الجلیل. وإنه المدرسة التی تتربى فیها قلوبنا على وعی الحقائق، وادراک المعارف، والحکمة فی معالجة الحوادث..
إنه شهر یفتح الله فیه أبواب کرمه وجوده لعباده، حتى یتزودوا من بحر رحمته..
إنه شهر غلّت فیه مردة الشیاطین، واغلقت فیه أبواب النیران..
إنه شهـر الانابة الى الله تعالى.. إنه شهر التوبة والغفران..
وعلى المؤمنین فی کل أصقاع الأرض، ان یتزودوا من هذا الشهر المبارک؛ الذی هو محطة روحیة ثریة، ومرکز اثارة دفائن العقول، وموسم الفاعلیة والنشاط فی المجالات الانسانیة والاجتماعیة والثقافیة.. وبکلمة إنه مدرسة الانسان.
ولکی لایمضی عنا شهر رمضان، دون ان نستفید منه فی صیاغة شخصیاتنا على معاییره ووفق آدابه، عملنا على جمع وترتیب طائفة من محاضرات سماحة آیة الله السید محمد تقی المدرسی فی اطار هذا الشهر العظیم. وذلک لما رأینا فیها من توجیهات قیمة، وارشادات مفیدة.. راجین من العلی القدیر ان ینفع بها المؤمنون، ویکسبنا بذلک اجراً وثواباً، إنه ولی التوفیق..
القسم الثقافی
فی مکتب آیة الله المدرسی
17 / جمادی الثانی / 1418 هـ
کیف نستقبل شهر رمضـان ؟
مع اطلالة شهر الله الفضیل.. شهر رمضان المبارک، یستقبل الناس هذا الشهر حسب درجة ایمانهم ومدى معرفتهم بفضائل ومکارم هذا الشهر العظیم، فبعضهم یستقبله من غرة شهر رجب الاصب، والبعض الاخر من الایام الأولى لشهر شعبان العظیم، وبعضهم من منتصف شعبان، بینما بعض منهم لا یستقبله، وانما یقتحم علیه شهر رمضان اقتحاماً دون ان یلتفت !
الاستقبال ضرورة
فهؤلاء الاصناف المختلفة من الناس یتعامل مع شهر رمضان حسب مقدرته واستیعاب وعائه للتزود من محطة هذا الشهر الروحیة الربانیة، فمن هؤلاء لا یعرف من معنى شهر رمضان والصیام فیه إلاّ الجوع والعطش وتناول السحور والفطور، فهؤلاء لا ینالون منه إلاّ ما کتب لهم من جوعهم وعطشهم ثم تذهب برکات وفضائل ونفحات ایام ولیالی هذا الشهر سدى ودون رجعة، و یکون حالهم کحال ذلک الذی یصلی ولکن دون ان یتلذذ من زاد الخشوع فی الصلاة.
ففی الروایة المأثورة، جاء الى رسول الله یسأله عن الخشوع فی الصلاة ؟ فأمره (صلى الله علیه وآله) ان یسبغ وضوءه، لأن الوضوء هو تمهید للصلاة، وهو بحد ذاته بمثابة استقبال لأوامر فریضة الصلاة. وکذلک بالنسبة لأداء مناسک الحج یتوجه الحاج قبل رحیله من اهله واصدقاءه صوب بیت الله الحرام الى تطهیر امواله، ابراء الذمة ممن کانوا لهم حق علیه، ثم یشد رحال السفر بقلب طاهر ومطمئن لأستقبال شهر ذی الحجة ومناسکه الفضیلة.
شهر رمضان.. محطة روحیة
لقد جعل الله لعباده نفحات ومحطات تزوید بوقود الایمان والمعرفة، حیث تقوم هذه المحطات والنفحات الروحیة بدور رفع الحجب والسحب الکثیفة التی تحول بین ربط واتصال العبد بالمولى جل وعلا. وشهر رمضان هو عبارة عن تلک المحطة الربانیة الکبرى التی دعا الله سبحانه عباده للاستفادة منها مجاناً، قبل ذهاب الفرصة وحلول الغصة. وهذا دلیل اخر على رحمة الله بعباده ولطفه لهم، رغم قساوة قلوبهم وشقاءهم وابتعادهم عن معدن الخیر والفضیلة.
فلیالی الجمعة المبارکات والمناسبات والمواسم الدینیة العظیمة کلیلة النصف من شهر شعبان و.. ولیالی شهر رمضان المبارک تدخل فی ضمن دائرة هذه المحطات الالهیة التی تدعونا للاستفادة منها واستثمارها، کیما تحدث فی داخلنا نقلة وطفرة نوعیة حقیقیة. ولا شک اذا کانت المحطات المکانیة کمسجد الحرام وجبل عرفات والمشعر الحرام ومراقد الائمة المعصومین الطاهرین علیهم السلام لها الدور المؤثر فی استشعار الارتباط الوثیق بین العبد والمولى، فأن المحطات الزمانیة والتی على رأسها ایام ولیالی شهر رمضان هی الاخرى تکمل الدور المطلوب فی هذا الصدد، بل تفتح اریجها الفواح والمعطر لتبثه وتنشره على جمیع المؤمنین اینما کانوا فی مشارق الارض ومغاربها. حیث تفتح ابواب السماء ببونها الشاسع واللامتناهی وتغلق ابواب النیران الکبیرة المهلکة، لتنزل الرحمة على العباد وتتنزل الملائکة فی لیلة القدر التی هی خیر من الف شهر لتقدر للعباد ما یرجون ویتوخون لما فیه خیر الدنیا والاخرة.
ان اهم عطاء یمکن ان یستفید منه العبد المؤمن فی هذا الشهر هو الاستفادة من باب المغفرة والتوبة الى الله سبحانه وتعالى بابک مفتوح للراغبین ..[۱] انک لا تحتجب عن خلقک إلاّ ان تحجبهم الاعمال دونک ..[۲] فأن کل لیلة او یوم او ساعة من ساعات هذا الشهر الفضیل تدعونا لاستثمارها عبر الرجوع والعودة الى الله سبحانه وطلب التوبة.
التوبة.. العودة الى ریاض الایمان
والتوبة تعنی فیما تعنی الندم والحسرة على ما فرط العبد فی جنب الله، وفی محضر حکومة الله وسلطانه من ذنوبه وآثامه حتى خلفت حجباً أدت الى انقطاع العلاقة. فان الندم کخطوة اولى فی باب التوبة، تعتبر وسیلة مهمة واساسیة للعودة الى ریاض الایمان.
ان الکثیر من الناس نراهم یدعی بانه تاب ولکن فی حقیقته یعیش الازدواجیة فی شخصیته، ففی داخل قلبه یستشعر عدم اقتراف الذنب ویعیش طوال عمره فی حالة التبریر والخداع الذاتی. هؤلاء حالهم کالنائم، ولکن بالموت سوف ینتبهون من الغفلة التی اصطنعوها لهم غروراً وتکبراً..
« یُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِینَ ءامَنُوا وَمَا یَخْدَعُونَ إِلآَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا یَشْعُرُونَ » [۳]
هـــؤلاء تنکشف الحقائــق لهم بعد فــوات الاوان، ثم یصـرخ احدهم : « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّی أَعْمَلُ صَالِحاً فِیمَا تَرَکْتُ » [۴] ولکـن یأتیهـم الجواب : « کَلآَّ إِنَّهَا کَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى یَوْمِ یُبْعَثُـونَ » [۵]
کما تستدعی عملیة التوبة من الفرد التائب هو العزم على عدم العودة اذ یترک الکثیر من الناس المعاصی والاثام لفترات معینة (احتراماً) لشهر رمضان او فی بعض المناسبات الدینیة الحاضرة، ولکن لم یتمکنوا ان یتخذوا (قرار) التوبة الحقیقیة النصوحة، فسرعان ما تنقضی المناسبة حتى یعاودون على اقتراف المحارم والآثام.
فاذا أردت ان تعرف ان توبتک مقبولة وحقیقیة انظر الى بعد التوبة، هل ان الاعمال الخیریة والحسنة لدیک ثقیلة ام خفیفة ؟ فاذا نادى المؤذن الله اکبر.. حی على الصلاة ، فهل ستجیب جمیع جوارحک بما فیها قلبک بنشاط مع النداء لتنهض مسرعا وبأقبال الى الصلاة ؟.. ان اداء عمل الخیر بسهولة وبخفة بعد التوبة هو دلیل على اداء التوبة بکل شروطها والعکس هو صحیح ایضاً.
شهـر المواساة
ان اهم ما فرض علینا فی هذا الشهر العظیم هو المواساة للاخوان - کما فی شهر شعبان - ونحن نقرأ فیه : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وأعمر قلبی بطاعتک ولا تخزنی بمعصیتک وارزقنی مواساة من قترت علیهم من رزقک بما وسعت علی من فضلک ..[۶]
فشهر رمضان المبارک هو شهر المواساة خاصة، وان المؤمن یصوم ویمتنع عن الشهوات والأکل والطعام لیحس بألم الجیاع والفقراء والمعوزین الذین هم بجوارنا.
ان المواساة تعنی ان تنفق بما عندک من مال او کلمة طیبة او تقدیم عمل خیر للآخرین.. وهذا لا یعنی ان تعطی وتنفق کل اموالک للآخرین، بل یکفی جزء قلیل منه لتحس بالم الاخرین وترتقی الى سلم الانسانیة والکمال البشری.
کما ان مواساتک للذی فقد عزیزاً، وعیادة من اصیب بمرض وداء، وارشادک للذی ضل فی عمله عبر توجیهه ونصحیته لکی یتوفق فی عمله الدنیوی والاخروی.. کل تلک تدخل فی باب المواسات للاخوان.
من هنا یقول الرسول الاعظم (صلى الله علیه وآله) فی خطبة له فی آخر جمعة شهر شعبان المعظم : واتقوا النار ولو بشق تمرة [۷] ای ان اعطاءک ولو تمرة واحدة للمستحق هی بمثابة تقوى من نار جهنم.
ان کثیراً من الناس - مع الاسف - یرفل فی ظل النعم التی حباها الله له، ولکن ما زال یحس بالنقص المعنوی والنفسی، فکلما زاده الله نعماً شکى وطلب الاکثر.
ان الصوم یبعث فینا الشعور و الاحساس بالمسؤولیة الدینیة و الانسانیة والرقة، ویلهمنا صفة الشکر، وضرورة دعم المحتاجین.
وصایا رمضانیة
ومن هنا فان شهر رمضان الفضیل یدعونا الى التأکید على عدة أمور اساسیة منها :
1 - لابد ان نهتم بالبعد العقائدی لانفسنا وابناء مجتمعنا. ان ترسیخ العقائد بالقیامة والمعاد والعبادات والاخلاقیات والولایة لله وللرسل والائمة علیهم سلام الله اجمعین، هی کلها کفیلة فی ان تعود الذات البشریة الى الارتشاف من معین قیم الحق والعدالة والفطرة والایمان بالله، خاصة وان ابناءنا واطفالنا الیوم فی عصر التلفاز والفضائیات والهجوم الثقافی المادی الفاسد هم احوج الى هذه الامور الهامة، حیث یعیشون الفوضى الفکریة واضطراب الروح وقلق النفس وضبابیة الرؤیة.
ان رجال المنبر والصحافة ووسائل الاعلام المختلفة مدعون لترسیخ قواعد الایمان والفضیلة والایمان فی عقول ونفوس اطفالنا وشبابنا ونساءنا وبکافة السبل المختلفة ووسائلها المتعددة.
2 - ضرورة رفع الحجب بین الناس وکتاب الله. فلقد تحول القرآن الکریم - مع الأسف - بین الناس الى عرف اجتماعی سائد، وتلاوته هی کذلک تدخل فی ضمن دائرة العادة المتداولة بین الناس.. لقد اصبح کتاب الله یقتصر على الفواتح والمآتم، بل حتى البعض یصعب علیه القراءة، فیأتی بقارئ لتلاوة القرآن للثواب ویعطیه مالا لیقرأ على روح موتاه، دون ان یتوجه الى کلمات القرآن، بل تجده مشغولاً بسفاسف الحیاة الدنیا وهذا بحد ذاته حجاب.
لابد للامة ان تعود الى القرآن الکریم عبر التدبر فی آیاته المبارکات، وتلاوتها بتمعن وتدبر.. ولا یکونّن هَم أحدکم آخر السورة کما یقول الحدیث عن أمیر المؤمنین علیه السلام.[۸] فان کل آیة وسورة یتلوها المؤمن فی کتاب الله هی خطاب موجه له، وهی التی تقصده.
3 - ضرورة تقویة اواصر الحالة الاجتماعیة بین المؤمنین فی شهر رمضان المبارک، عبر التزاور بین الارحام والاصدقاء. فالتزاور هی خطوة مهمة فی رفع الحواجز النفسیة العالقة فی قلوب المؤمنین التی تکثفت وتجمعت عبر سوء الظن. فزیادة المؤمنین والدعاء لهم بالخیر والعفو عنهم، وان کانوا هم المخطئین، هی بمثابة الجص والطابوق الذی یجعل البناء فی المجتمع الاسلامی متماسکاً ومتیناً.
کما ان الحث على التجمعات الایمانیة والانتماء الیها والالتفاف حولها کالتجمعات الدینیة والهیئات القرآنیة هی الاخرى تقوی البنیة الاجتماعیة بین المؤمنین، ناهیک عن دورها الایجابی فی بناء وتربیة الشبیبة المؤمنة فی مدرسة القرآن الکریم وبصائره الربانیة.
4 - التثقیف الذاتی بالعلوم التربویة والاخلاقیة والدینیة. فی هذا الشهر الفضیل هناک فرصة لتکمیل البعد الثقافی والعلمی فی شخصیة الانسان المؤمن، کالبحث عن الکتب الاخلاقیة والدینیة والعقائدیة وعن حیاة الائمة المعصومیـن، واخص بالذکر کتاب تحف العقول الذی یشمل وصایا الرسول الاکرم (صلى الله علیه وآله) وابنته الزهراء البتول (علیها السلام) وسائر الائمة المعصومین (علیهم السلام ) الى شیعتهم.
5 - تعمیق الولاء مع اهل البیت (علیهم السلام) عبر التوجه الیهم وطلب شفاعتهم، واداء بعض صلوات النوافل واهداءها الیهم، وبالطبع حاشا اهل البیت (علیهم السلام) ان ینسوا من ذکرهم، کما لاننسى ان نقوی علاقتنا مع الامام الحجة المنتظر المهدی (عجل الله فرجه الشریف).
خلاصة القــول؛ ان محــور (التقــوى) هو الهدف الرئیسی من
تشریع فریضة الصیام فی هذا الشهر الفضیل.. « یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِن قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ » [۹]
نسأل الله سبحانه وتعالى ان یوفقنا لاداء فریضة الصوم فی ایام هذا الشهر العظیم کاملة، وان تکون هذا المحافل الرمضانیة التی سوف نستمتع بزادها الروحی محطة لنقلة نوعیة فی داخلنا، وان یجعلنا ممن ینتصر بهم لدینه، ویجعلنا من الصالحین ویلحقنا بالائمة الهداة المیامین.
شهر النعم والبرکات
شهر رمضان المبارک هو شهر الله؛ شهر الرحمة البرکة والمغفرة؛ شهر یبسط فیه الخالق سبحانه وتعالى مائدة ضیافته الکریمة لعباده، ویفتح ابواب رحمته ومغفرته لیزید المطیعین منهم ثواباً واجراً، یغفر للمذنبین والعاصین الذین قطعوا على انفسهم عهداً بالتوبة النصوح الخالصة لوجهه الکریم.
انه شهر فضیل دعینا فیه لضیافة الرحمان، وجعلنا به من أهل الکرامة. فطوبى لمن اجاب الدعوة، واحسن الضیافة وآدابها. وهو شهر تتضاعف فیه الاعمال، ویتضاعف معها ثوابها؛ فمن قرأ سورة فیه او حتى آیة واحدة کان کمن ختم القرآن کله، ومن اطال فیه سجوده ورکوعه خفف الله سبحانه عنه اوزاره، ومن اکثر فیه الصلاة رفعت درجاته.. فقد جعل هذا الشهر عنواناً للمسلم، ومعراجاً للانسان المؤمن.
فکیف یا ترى نستقبلـه، وما معنى الضیافة فیه، وکیف نحسن ادبها لکی نصبح ممن اجاب الدعوة، وصار من أهل الضیافة ؟
ابعاد الضیافة الالهیـة :
للاجابة على هذه التساؤلات نقول : ان للضیافة الالهیة ابعاداً مختلفة؛ فهو سبحانه أرحم الراحمین، ومائدته لاتقتصر على لون واحد من الوان الکرامة، بل هی تجل لرحمة الله الواسعة. وتضم کل الوان النعم ابتداءً من النعم المادیة، وانتهاءً بآخر الوان النعم الروحیة والمعنویة. ولعل الجمیع یعلم علم الیقین کیف ان البرکات والخیرات تنهمر على الناس کالغیث بمجرد ان یهل شهر رمضان المبارک، وهذا هو لون مادی من الوان المائدة الالهیة، وهذه هی البرکة الاولى.
نعمة المشاعر الخیـرة :
اما البرکة او النعمة الثانیة التی تطفح على سطح هذه المائدة الربانیة العظیمة، فهی نعمة وبرکة العواطف والمشاعر الخیرة التی یتبادلها المسلمون، حیث التعاطف والتراحم والمودة تنتشر فیما بینهم، مما یعزز اواصرهم الاخویة فی الایمان. فالمؤمن الغنی یحس من اعماق وجدانه بالحنان نحو أخیه الفقیر، لان الله سبحانه شاء لهذا الغنی بما فرضه علیه من الصوم عن الطعام والشراب، ان یشعر بألم أخیه الفقیر الذی یبیت معظم لیالیه جائعاً لا یجد ما یسـد به جوعته وجوعة عیاله واطفاله. فهو مجبر على
الاحساس بألم الجوع کیف یوخز معدته وامعاءه.
والاحباء یزدادون حباً لبعضهم، وکذلک الذین فرقتهم نزعات الشیطان بما بثت فی قلوبهم من الاحقاد والبغضاء، لان مائدة هذا الشهر الفضیل تجمعهم على حب الله تبارک اسمه، فتنبذ الاحقاد، وتترک العداوات. ذلک لان النفوس ترتفع عندما تجتمع فی رحاب الرحمة الالهیة. فکم من العوائل والاقارب الذین فرقتهم توافه هذه الدنیا ومادیاتها، جمعتهم رحاب رمضان وموائده الکریمة. ولعل صلة الارحام مستحبة على الدوام، ولکنها تزداد اهمیة فی شهر الله الفضیل، کما أکد على ذلک رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی خطبته عند استقبال شهر رمضان قائلاً : وصلوا ارحامکم [۱۰] الى درجة ان قطیعة الرحم فی هذا الشهر تعد ذنباً عظیماً، والبادئ بالوصل له سبعون أجراً کأجر البادئ بالسلام والتحیة.
أهل البیت والمائدة الالهیـة :
اما البرکة والنعمة الثالثة التی ننعم بهما على المائدة الرمضانیة الکبرى التی دعینا لها، فتتمثلان فی ان القائمین بهذه الضیافة الذین یأتوننا بمائدة الله ورحمته هم أهل بیت النبوة والرسالة (علیهم السلام اجمعین). ولذلک ینبغی ان نوجه قلوبنا الیهم، ونزداد حباً لهم، ومعرفة بهم، وتسلیماً لهم، وان نهتم باللجوء الیهم. فلیس صحیحاً ان ننسى ذکرهم فی شهر الله الفضیل.
وکما ورثنا حب أهل البیت من آبائنا واجدادنا، ونشأنا وترعرعنا وتغذینا بهذا الحب، فاختلط بدمنا ولحمنا. فلا بد من ان نؤدی هذه الامانة الى ابنائنا واحفادنا کما أداها لنا الآباء والاجداد. فننشأهم ونغذیهم بهذا الحب، لینقلوه الى الاجیال القادمة.
وعلى خطبائنا الکرام ان یرکزوا فی موسم التبلیغ الرمضانی على قضیة أهل البیت (علیهم السلام) بکل ابعادها، وبما یروی شجرة حبهم، ویرسخها فی قلوب موالیهم وشیعتهم؛ کأن یتحدثوا عن فضائلهم ومناقبهم ومواقفهم الرسالیة، وصبرهم واستقامتهم ومظلومیتهم التأریخیة المستمرة الى یومنا هذا. ذلک لان کل مایتوارد علینا من مصائب وکوارث، انما سببه ابتعادنا عن أهل البیت، ومنهجهم وصراطهم السوی.
آثار حب أهل البیت :
ان معرفة الامة لأهل البیت (علیهم السلام) من شأنها ان تخلق لدیها الوعی بالحقائق، وتجعلها تختبر المواقف، فتمیز الحق عن الباطل، والصالح من الأمور عن طالحها. علماً ان لتربیة الناس على حب أهل البیت من قبل خطبائنا، وعلمائنا، ومثقفینا آثار وابعاد عظیمة فی حیاة الانسان المؤمن الموالی، منها :
1- انها تدفعه الى ان یبحث عن سیرتهم؛ وعلى سبیل المثال، فلو سمع حادثة تعکس منقبة من مناقب أمیر المؤمنین (علیه السلام) ذکرها احد الخطباء على المنبر، فانها ستکون دافعاً له الى أن یبحث عن المزید مما یتعلق بحیاة الامام، وسیرته، وفضائله.
2- ان التربیة على حب أهل البیت (علیهم السلام) تخلق ذلک الانسان الموالی الذی یهفو قلبه الى المجالس التی تحیی ذکر أهل البیت (علیهم السلام)، فیسعى الیها بروحه وجوارحه، وبکل طمأنینة، ودون ای تکلف، بمجرد ان یرى رایة أهل البیت قد نصبت على اعتابها.
ان حب أهل البیت (علیهم السلام) هو الذی یجمع الموالین لهم، ویدفعهم الى ان یشلکوا حلقات یتحدثون فیها عن فضائلهم ومناقبهم وسیرتهم واخلاقهم ومواقفهم البطولیة امام الظالمین والجائرین من حکام عصورهم.
3- ان معرفة أهل البیت (علیهم السلام) تجعل المسلمین یفتشون ویبحثون عمن یتأسون بهم، ویقتدون بسیرتهم وسلوکهم، فیتخذونهم قادة یرجعون الیهم فی مختلف شؤونهم الحیاتیة؛ فالذی یعرف الامام علیاً (علیه السلام) یفتش عمن یمثل دوره، ویقتدی به فی سلوکه واخلاقه، ویعمل على تطبیق منهجه والسیر على خطه. وما المراجع العظام، والعلماء الکرام، إلاّ تلامذة للائمة (علیهم السلام)، تخرجوا من مدارسهم على مرّ الدهور.
العلماء ورثة أهل البیت :
وباختصار فان معرفة أهل البیت (علیهم السلام) تجعل الموالین یفتشون عن القیادة الصحیحة التی تسیر فی نهج أهل البیت (علیهم السلام)، وبالتالی فانها ستؤدی الى تمحور الامة حول قیاداتها الدینیة ومراجعها الذین صانوا خط أهل البیت ومنهاجهم، وساروا على سیرتهم شریطة ان یکونوا اولئک العلماء الذین حدد الائمة (علیهم السلام) خصائصهم، کما جاء فی الحدیث المعروف عن الامام الحسن العسکری (علیه السلام) : من کان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدینه، مخالفاً لهواه، مطیعاً لأمر مولاه فللعوام ان یقلدوه [۱۱]
وکما ان الائمة أکدوا على اهمیة علماء الامة وفقهائها، وضرورة الرجوع الیهم، کما هو واضح من النص السابق؛ فکذلک الحال بالنسبة الى القرآن الکریم فقد أشار الى منزلة العلماء الرفیعة، ودورهم الکبیر فی ارشاد الناس وهدایتهم وتعرفهم بدینهم وشرائعهم. ومن ذلک قوله عز من قائل: « فِی صُحُفٍ مُکَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَیْدِی سَفَرَةٍ * کِرَامٍ بَرَرَةٍ »[۱۲]. فحیاة وسلوک هؤلاء السفرة الکرام، بل وحتى ملامح وجوههم النیرة، تشم منها رائحة أهل البیت (علیهم السلام)، وتجسد الجانب الاعظم من سیرتهم واخلاقهم.
صحیح اننا لم نرى أهل البیت (علیهم السلام)، ولکننا نظرنا الى العلماء، وما یتمیزون به من الهیبة، ثم ما نلمسه من سیرتهم وسلوکهم وتعاملهم مع الناس وورعهم وتقواهم... وکل ذلک یشعرنا ان هؤلاء السفراء الکرام، انما هم اشعة من ذلک النور البهی، وومضات من ذلک الضیاء الساطع؛ ضیاء أهل بیت العصمة والطهارة (علیهم السلام).
ولقد لمسنا خلال اتصالنا بعلمائنا وفقهائنا ومجتهدینا على مر السنین الطوال، فوجدناهم هم مثالاً لکل خلق سام رفیع، وانموذجاً للورع والتقوى، وقمماً شامخة فی العلم والاجتهاد. والحمد لله فان مسیرة تقلید وانتخاب المراجع لم تتأثر او تتوقف فی یوم من الایام، فلم یکن هناک فراغ او خلل فی مسألة الرجوع والتقلید لدى الشیعة على مر العصور، منذ ان بدأت الغیبة الکبرى ولحد الان، رغم الضغوط وانواع القمع والاضطهاد الذی لاقوه طیلة عهود حکام الجور والظلم الذین ناصبوا العداء، وورثوه ممن سبقهم لأهل البیت (علیهم السلام) وأتباعهم وشیعتهم. فلقد استمر هذا النهج الناصع، والخط الاصیل ولم یؤثر على استمراریته، کل ذلک الظلم التاریخی الذی
تعرضنا ومانزال نتعرض له.
وبناء على ذلک، فلا شیء یخشاه الموالی لأهل البیت على نفسه عندما یختار قیادته ومرجعه بمحض ارادته. فما یبعث الشجاعة، ویثیر فیه روح المقاومة والصمود امام الظلم النازل به وباخوته، هو الشجاعة والصمود والثبات والاستقامة على الطریق والمنهج لدى هؤلاء القادة والمراجع الذین یختارهم. فبثباتهم واستقامتهم یقاومون الوان الظلم والانحراف، وکل الافکار والمناهج المتسللة الینا، والدخیلة على افکارنا، ومناهجنا الاصیلة، وذلک من خلال بیانهم لاحکام الدین. واذا ما اقتضى الأمر فانهم یحملون السیف فی وجه الانظمة الفاسدة لمجاهدة حکام الجور والظلم، وهم مطمئنون الى ان الله سبحانه ناصرهم، ومسدّد خطاهم.
وعلى هذا فان مردود حب أهل البیت (علیهم السلام) لایقتصر على مجرد الحب فی القلب وحسب، وانما له آثار مبارکة، منها معرفة الدین. فهذه المعرفة هی برکة من برکات حب أهل البیت واتباعهم وموالاتهم.
تحدید الخط السیاسی الحـق :
ومن البرکات الأخرى لمعرفة اهل البیت (علیهم السلام) والتمسک بهم، برکة تشخیص الخط السیاسی الحق والاصیل من خلال سلوکهم مع الحکام، ومنهاج تحرکهم. فالموالی لهم لاینحرف عن خطهم المستقیم الى الیمین او الشمال، لان خط أهل البیت خط نقی واضح لایقبل المداهنة والمساومة والعمالة، ولا یعرف الخیانة، ولا یرضى بالدهاء والمکر. وهذا ما نجده متجلیاً عند فقهائنا ومراجعنا العظام، سواء حکموا فی الأمة أم لم یحکموا. ولذلک نجد هذه المنهجیة واضحة على مرّ التاریخ؛ فالحکم والسلطان لم یؤثرا على القیادة الروحیة للامة، هذه القیادة التی تمیّز بها الأئمة (علیهم السلام) والنائبون عنهم. فهم (علیهم السلام) أئمة قاموا ام قعدوا، وهکذا الحال بالنسبة الى من ینوبون عنهم، فهم قادة سواء حکموا أم لم یحکموا.
وهذه الحقیقة أکدتها الاحادیث الشریفة، ومنها الحدیث المشهـور الذی یقــول : الحسـن والحسیـن امامان قاما أو قعـدا .[۱۳] فلیس ضروریاً ان یحمل الامام او مرجع الأمة سیف الحکم والفصل، فربما لاتسنح له الظروف بذلک، کما کان الحال بالنسبة الى الغالبیة العظمى من ائمتنا (علیهم السلام).
نعمة القـرآن
وبالاضافة الى نعمة معرفة أهل البیت (علیهم السلام) فان هناک نعمة أخرى ینعم الله تعالى بها علینا خلال شهر رمضان المبارک، الا وهی نعمة القرآن. فشهر رمضان هو شهر القرآن وربیعه؛ ففی طیاته تلک اللیلة المبارکة التی هی خیر من ألف شهر؛ ای أنها خیر من ثلاثین ألف لیلة. وسرّ هذا التفضیل یکشفه لنا القرآن الکریم فی قوله : « إِنَّآ انزَلْنَاهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ »[۱۴]. فهذه اللیلة هی ذکرى نزول القرآن الکریم من السماء العلى، حیث نزل کله جملة واحدة على قلب نبی الرحمة (صلى الله علیه وآله) فی تلک اللیلة المبارکة. ولذلک فان من ضمن المظاهر الکبرى لعظمة شهر رمضان الذی انزل فیه القرآن، هو انه ربیع القرآن، الذی فیه خبر من کان قبلنا، وعلم من یأتی بعدنا، وهو حکم ما بیننا. فمن جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه الى النار. وهو شافع مشفّع، وماحل مصدّق. فلابد - اذن - من الاهتمام بکتاب الله فی هذا الشهر الشریف، من خلال اتباع الخطوات التالیة :
تلاوة القرآن وختمه
ینبغی ان نستثمر اوقات هذا الشهر الفضیل وساعاته ولیالیه فی تلاوة القرآن. ویا حبّذا لو عقدنا العزم على ختمه اکثر من مرة واحدة، بدلاً من ان نقضی اوقاتنا فی جلسات اللهو واللغو الفارغة.
والله سبحانه یوفق قارئ القرآن، ویبارک له، ویوفّقه للعمل به. فالقرآن هو رسالة الله تعالى إلینا، وحبله المتین والکتاب الاعظم الذی یتضمن حقائق الکون والوجود.
التدبر فی آیات القرآن
والتدبر هو الوقوف عند الآیة، واجالة النظر فیها، وما تنطوی علیــه من ابعاد فکریـة واجتماعیة وسیاسیة وخلاقیة. فلا ینبغی ان تکون تلاوة آیات القرآن الکریم مجرد قراءة عابرة. فمن الضروری للانسان المسلـم الذی یرید التسلح بالقـرآن مـن خلال تقویة ایمانه، ان یتلو کتاب الله بامعان وتوجه. فلا بد من ان تنسجم مع خطاب الله سبحانـه وحدیثه معنــا، لکی تطمئن بـه قلوبنـا، وتنـزل السکینة على ارواحنا ونفوسنــا. فبالقرآن یصیــر الانسان الى القناعــة، وبه یمتلئ سعادة وراحـة روحیة ومعنویــة.
ان تدبر القرآن یزوّد المؤمن بالبصیرة، فیفهم الحیاة بافضل وجه، ویمیّز الجید فیها عن السیء، والطیب من الخبیث، ولا ینخدع بالمظاهر الجوفاء. فلابد من فهم القرآن والانسجام معه، وان لا نوحی الى انفسنا باننا دون مستوى فهم القرآن. صحیح ان بعض الآیات تحتاج الى مراجعة التفاسیر لفهم مغزاها، ولکن القرآن على العموم واضح المعنى، سهل الفهم، وهو نفسه یؤکد على هذه الحقیقة قائلاً : « وَلَقَدْ یَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّکْرِ فَهَلْ مِن مُدَّکِرٍ »[۱۵]
ولذلک فان من یفتح قلبه للقرآن، سیفهمه باذن الله تعالى، وسیمنحه الهاماً خاصاً یفهم به لغة القرآن.
نعمة الاهتمام بأمور المسلمین
وفی هذا المجال یقول الحدیث الشریف :
من أصبح لایهتم بأمور المسلمین فلیس بمسلم [۱۶]
وفی احادیث اخرى یقول (صلى الله علیه وآله) :
اتقوا النار ولو بشق تمرة [۱۷]
ویقول :
اتقوا النار ولو بشربة من ماء [۱۸]
فهذه الاحادیث الشریفة وغیرها تحث الانسان المسلم على الاهتمام بأمور اخوته، والتحسس بآلامهم ومعاناتهم، ومشارکتهم فی همومهم، وفهم مشاکلهم. فلا یجوز ان ینطوی المسلم على ذاته، ویطوق نفسه بطوق الانانیة البغیض. فینبغی بالاخوة المؤمنین وخصوصاً فی شهر رمضان المبارک ان یبحثوا عن اخوانهم الفقراء، ویمدّوا الیهم ید المساعدة، ویفرجوا بما استطاعوا عن همومهم المعیشیة.. فلیشهد لنا شهر الله فی الغد، وفی کل عام من اعمارنا، باننا قد افرحنا قلباً کسیراً، وفؤاداً مجروحاً، وادخلنا البهجة والسرور على یتیم، او عائلة لیس لها من یعیلها، او تصدّقنا على مسکین او اطعمنا جائعاً او کسونا عریاناً لایملک من الثیاب ما یقی بدنه ویسرّه.
وعلینا ان لانقصر اهتمامنا على ابناء بلدنا، او منطقتنا التی نسکن فیها، بل لیمتدّ نظرنا الى البقاع الاخرى من اوطان المسلمین. وهنا تقع مسؤولیة الکشف عن اوضاع المسلمین المزریة على عواتق خطبائنا الکرام. فهم مسؤولون عن ان یجعلوا روّاد منابرهم ومجالسهم، على درایة بما یجری حولهم من مآس ومصائب على اخوتهم، وان یثیروا فیهم الحماس وروح الاهتمام الوثابة التی تحفزهم على الانضمام الى قافلة العمل والجهاد فی سبیل الله عز وجل.
وهنا أوجه خطابی الى المبلّغین الاسلامیین الذین یتحملون المسؤولیة الرسالیة وعبئ الدعوة الى الله، وخصوصاً العلماء والخطباء؛ ان یجهدوا انفسهم فی سبیل ایصال نور العلم والهدى الى الناس، وان یجیبوهم على مسائلهم صغیرة کانت أم کبیرة، وفی جمیع المجالات. وان لایبدوا التململ والضجر فی اجابتهم، وافهامهم لامور دینهم ودنیاهم. فعلیهم ان یجنّدوا انفسهم، ویظهروا الجد فی إحسان الضیافة، وادائها على افضل وجه. وهذا ما یؤکد علیه قوله تعالى :
« کَلآَّ إِنَّهَا تَذْکِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَکَرَهُ * فِی صُحُفٍ مُکَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَیْدِی سَفَرَةٍ * کِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَکْفَرَهُ * مِنْ أَیِّ شَیْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِیلَ یَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَاَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ * کَلاَّ لَمَّا یَقْضِ مَآ أَمَرَهُ »[۱۹]
شهـر التوبـة
ان شهر رمضان المبارک هو شهر دعینا فیه الى ضیافة الله تعالى، ومفاد هذه الضیافة الکریمة هو دعوة الله عباده للتوبة، لانه یحبها لهم.
والتوبة فی حقیقتها هی عملیة اعادة الاتصال بین العبد وربه، وفی الاحادیث بیان لمدى حب الله جلت قدرته للتوبة، ولعبده التائب؛ منها ما یصور توبة العبد ویمثلها برجل بدوی یقطع الصحراء وفیافیها، ومثله معرض للهلاک فی هذا الطریق، وهو لایملک الا ابله فاذا ما عطش شرب من لبنها، واذا ما جاع اکل شیئاً من شحمها لان العرب کانوا یأکلون من الابل وهی حیة اثناء رکوبها، ثم یصادف ان یضیع هذا البدوی ابله فی لیل الصحراء المظلم بعد ان فک عقالها، واذا ما ضاعت هذه الابل فان هذا یعنی ان على هذا البدوی ان ینتظر موته البطئ، والهلاک إن لم یعثر علیهـا، ولذلک فان هــذا البدوی یبدأ فی اللیل بالبحث عن ابله عله یجدها، وکم ستکون فرحته عظیمة عندما یظفر بهـا.
ومع ذلک فان - جلت قدرته - أشد فرحاً عندما یرى عبده یعود الیه تائباً خاضعاً حیث روی عن الامام ابی جعفر الصادق (علیه السلام) أنه قال : ان الله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده فی لیلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلک الرجل براحلته حین وجدها[۲۰] فهو سبحانه طالما یفتـح ابـواب التوبة لعبــاده، ویغفر لهم کل معصیــة. وهـذا هتافــه فی مواضع کثیرة من القرآن الکریم، اذ یقول فی احدهما : « وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِیعاً أَیُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ » [۲۱]
غفـران اللـه :
فهلموا بنا - ایها الاخوة - الى التوبة، وطلب المغفرة، وهذا هو بابها مفتوح للداخلین. وفی هذا المجال یروى انه دخل معاذ بن جبل على رسول الله (صلى الله علیه وآله) باکیاً فسلّم فردّ علیه السلام ثم قال : ما یبکیک یا معاذ ؟ فقال : یا رسول الله إنّ بالباب شابّاً طریّ الجسد، نقیّ اللّون، حسن الصورة، یبکی على شبابه بکاء الثکلى على ولدها، یرید الدخول علیک؛ فقال النبی (صلى الله علیه وآله) : ادخل علیَّ الشاب یا معاذ؛ فأدخله علیه فسلّم فردّ علیه السلام، ثم قال : ما یبکیک یا شابّ ؟ قال : کیف لا أبکی وقد رکبت ذنوباً إن أخذنی الله عز وجل ببعضها أدخلنی نار جهنم ؟ ولا أرانی إلاّ سیأخذنی بها ولا یغفر لی أبداً.
فقال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : هل أشرکت بالله شیئاً، قال : أعوذ بالله أن أُشرک بربی شیئاً. قال : أقتلت النفس التی حرم الله ؟ قال : لا.
فقال النبی (صلى الله علیه وآله) : یغفر الله لک ذنوبک وإن کانت مثل الجبال الرواسی، فقال الشابّ : فإنها أعظم من الجبال الرواسی.
فقال النبی (صلى الله علیه وآله) یغفر الله لک ذنوبک وإن کانت مثل الأرضین السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فیها من الخلق، قال : فإنها أعظم من الأرضین السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فیها من الخلق !
فقال النبی (صلى الله علیه وآله) : یغفر الله لک ذنوبک وإن کانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والکرسیّ، قال : فإنها أعظم من ذلک.
قال : فنظر النبی (صلى الله علیه وآله) إلیه کهیئة الغضبان ثم قال : ویحک یا شابّ ذنوبک أعظم أم ربک ؟ فخرّ الشابّ لوجهه وهو یقول : سبحان ربّی ما شیء أعظم من ربی، ربّی أعظم یا نبی الله من کلّ عظیم.
فقال النبی (صلى الله علیه وآله) : فهل یغفر الذنب العظیم إلاّ الرب العظیم ؟ قال الشابّ : لا والله یا رسول الله، ثم سکت الشابّ .
فقال له النبی (صلى الله علیه وآله): ویحک یا شابّ ألا تخبرنی بذنب واحد من ذنوبک؟ قال : بلى أُخبرک : إنی کنت أنبش القبـور سبع سنین، أخرج الأموات، وأنزع الأکفان، فماتت جاریة من بعض بنات الأنصار فلمّا حملت الى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها وجنّ علیهم اللیل أتیت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها ونزعت ما کان علیها من أکفانها وترکتها متجرّدة على شفیر قبرها، ومضیت منصرفاً فأتانی الشیطان فأقبل یزیّنها لـی، ویقـول : أما ترى بطنها وبیاضهـا ؟ أما ترى ورکیها ؟ فلم یزل یقول لی هذا حتى رجعت إلیها، ولم أملک نفسی حتى جامعتها وترکتها مکانها، فإذا أنا بصوت من ورائی یقول : یا شابّ ویل لک من دیّان یوم الدین، یوم یقفنی وإیاک کما ترکتنی عریانة فی عساکر الموتى، ونزعتنی من حفرتی وسلبتنی أکفانی، وترکتنی أقـوم جنبةً إلى حسابی، فویــل لشبابک من النـار !. فما أظنّ أنّی أشـمّ ریح الجنة أبداً فما ترى لی یا رسول الله ؟
فقال النبی (صلى الله علیه وآله) : تنحّ عنّی یا فاسق؛ إنیّ اخاف ان احترق بنارک، فما أقربک من النار ! ثم لم یزل (علیه السلام) یقول ویشیر الیه حتى أُمعن من بین یدیه، فذهب فأتى المدینة فتزوّد منها ثم أتى بعض جبالها فتعبّد فیها، ولبس مسحاً وغلّ یدیه جمیعاً الى عنقه، ونادى : یا ربّ هذا عبدک بهلول، بین یدیک مغلول، یا رب أنت الذی تعرفنی، وزلّ منّی ما تعلم سیّدی ! یا ربّ أصبحت من النادمین، وأتیت نبیّک تائباً فطردنی وزادنی خوفاً، فأسألک باسمک وجلالک وعظمة سلطانک أن لا تخیّب رجائی؛ سیّدی! ولا تبطل دعائی، ولا تقنّطنی من رحمتک. فلم یزل یقول ذلک أربعین یوماً ولیلة، وتبکی له السباع والوحوش، فلمّا تمّت له أربعون یومـاً ولیلـةً رفع یدیه الى السمـاء، وقال : اللهم ما فعلت فی حاجتی ؟ إن کنت استجبت دعائی وغفرت خطیئتی فأوح الى نبیّک، وإن لم تستجب لی دعائی ولم تغفر لی خطیئتی وأردت عقوبتی فعجّل بنار تحرقنی، او عقوبة فی الدنیا تهلکنی، وخلّصنی من فضیحة یوم القیامة. فأنزل الله تبارک وتعالى على نبیّه (صلى الله علیه وآله) : والذین إذا فعلوا فاحشة یعنی الزنا أو ظلموا انفسهم یعنی بارتکاب ذنب أعظم من الزنا، ونبش القبور، وأخذ الأکفان ذکروا الله فاستغفروا لذنوبهم یقول : خافوا الله فعجّلوا التوبة ومن یغفر الذنوب إلاّ الله یقول عز وجل : أتاک عبدی یا محمد تائباً فطردته، فأین یذهب ؟ وإلى من یقصد ؟ ومن یسأل أن یغفر له ذنباً غیری، ثم قال عز وجل : ولم یصرّوا على ما فعلوا وهم یعلمون یقول : لم یقیموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الأکفان أولئک جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجری من تحتها الأنهار خالدین فیها ونعم أجر العاملین فلمّا نزلت هذه الآیة على رسول الله (صلى الله علیه وآله) خرج وهو یتلوها ویتبسّم، فقال لأصحابه: من یدلّنی على ذلک الشابّ التائب؟ فقال معاذ: یا رسول الله بلغنا أنّه فی موضع کذا وکذا، فمضى رسول الله (صلى الله علیه وآله) بأصحابه حتى انتهوا الى ذلک الجبل فصعدوا إلیه یطلبون الشابّ فإذا هم بالشابّ قائم بین صخرتین، مغلولة یداه الى عنقه، قد اسودّ وجهه، وتساقطت أشفار عینیه من البکاء، وهو یقول : سیّدی : قد أحسنت خلقی وأحسنت صورتی، فلیت شعری ماذا ترید بی ؟ أفی النار تحرقنی ؟ او فی جوارک تسکننی ؟ اللهم إنّک قد أکثرت الاحسان إلیّ وأنعمت علیَّ، فلیت شعری ماذا یکون آخر أمری ؟ الى الجنة تزفّنی ؟ أم الى النار تسوقنی ؟ اللهم إن خطیئتی أعظم من السماوات والأرض ومن کرسیّک الواسع وعرشک العظیم، فلیت شعری تغفر خطیئتی أم تفضحنی بها یوم القیامة ؟ فلم یزل یقول نحو هذا وهو یبکی ویحثو التراب على رأسه وقد أحاطت به السباع! وصفّت فوقه الطیـر ! وهم یبکون لبکائه ! فدنا رسول الله (صلى الله علیه وآله) فأطلـق یدیه من عنقه، ونفض التراب عن رأسـه، وقـال : یا بهلـول ! أبشر فإنّک عتیق الله من النار. ثم قـال ( علیه السلام ) لأصحابــه : هکذا تدارکوا الذنوب کما تدارکها بهلول. ثمّ تلا علیه ما أنزل الله عز وجل فیه وبشّـره بالجنـة .[۲۲]
ترى ما الذی یستفیده المؤمنون من مفاد هذا الحدیث، ألیس ذلک معناه ان الاندع للیأس مجالاً فی نفوسنا، ألیس ذلک معناه ان یسقط المؤمنون معانی القنوط والاحباط والیأس من قاموسهم، وان یستبشروا بالرحمة الواسعة التی فتحت باب التوبة والمغفرة، وخصوصاً فی شهر رمضان المبارک على مصراعیه، واغلقت ابواب نفوذ الشیاطـین ووساوسهم للنفــوس ؟ فلا یستهینن أحداً برحمة الله، ولیجعل الباب مفتوحاً دائماً بینه وبین ربه.
شهر الاغتسال من الذنوب
ان التوبة هی بمثابة الاغتسال بماء النهر الذی یتطهر به الانسان، وشهر رمضان یشبه الى حد کبیر نهر ماء ینساب طاهراً امامنا، فی حین قد احاطت بنا ادران الذنوب، واوساخ الغفلة والشره والطمع والحسد والغیبة والتهمة.. فتجدنا کلما خرجنا من ذنب وقعنا فی آخر أشد منه، والشیطان مستول على نفوسنا وقلوبنا یسعى بنا الى الهاویة، والعیاذ بالله منه ومنها.
وهکذا فان القضیة لیست هیّنة. فتعالوا نغسل نفوسنا وقلوبنا، ونصفیها من الرذائل والذنوب العالقة بها بماء النهر الممتد امامنا، المتمثل فی شهر الله الفضیل، شهر رمضان المبارک. ولنعقد العزم من الآن على التوبة النصوح، علنا ننال بطاقة المغفرة التی تمهّد الطریق لنا فی الآخرة الى جنات النعیم.
ولتکن لنا فی هذا الأمر همّة عالیة، وعزم جاد، ولنوجد فی داخلنا الحالة النفسیة التی تدعونا لأن نطهّر ولو نصف ما علینا من الذنوب إن لم یکن جمیعها، کی نکون بعد انقضاء شهر رمضان فی وضع مغایر للوضع الذی کنا علیه قبله. وهذه هی ابواب الرحمة والتوبة والمغفرة مفتحة، فلنستقبل هذا الشهر العظیم ونحن طاهرون، وقد اتخذنا القرار بترک السیئات من أعمالنا، واحلال الصالحات والخیرات محلّها.
وعلینا ان لا ننسى فی هذا الشهر المبارک الاکثار من قراءة القرآن والادعیة والمناجاة، واقامة الصلوات المستحبة والنوافل التی تزیدنا قربة الى الله تعالى ورضوانه. ثم الاعمال الخیریة، والصالحات من اطعام للفقراء ومساعدتهم، واعانة ذوی القربى والفقراء والمساکین من المسلمین.. فکل ذلک هو بمثابة تجسید عملی للتوبة بعد قطع العهد القلبی علیها مع الله جل وعلا.
واذا ما فعلنا ذلک، فان هذا یعنی اننا قد ارتفعنا وسمونا فی سلم القربة الى الله سبحانه، وعرجنا الى ملکوته، وجسّدنا المعنى الحقیقی للتوبة التی هی من أهم الاهداف التربویة لشهر الله جل وعلا.
شهـر التبلیـغ
فی شهر رمضان المبارک یجد الکثیر من علماء الاسلام، والدعاة الى الله تعالى، والقادة الى سبیله، والمصلحون فرصة التبشیر والانذار، وتوعیة الامة، واحیاء المفاهیم الاسلامیة.
ولاریب ان هذه الفرصة -لوخطط لها تخطیطاً شاملاً ودقیقاً- لکانت فوائدها اکبر مما لوترکت من دون تخطیط، فاتجه کل واحد فی مسار معین قد یتناقض مع مسار اخوتهم او یتفاوت ویختلف على الاقل. فقد یرکز احد الاشخاص المبلغین عبر المنبر او أیة منصة خطابیة توجیهیة على فکرة معینة، فی حین یصب خطیب آخر اهتمامه على فکرة اخرى. فتکون النتیجة ان الذی یخرج من ذلک المجلس لیدخل المجلس الثانی یجد فی نفسه نوعاً من التضاد والتناقض لایستطیع دفعه، لان الخطیب الاول قد دفعه فی اتجاه مغایر للاتجاه الذی ساقه الیه الخطیب الثانی.
هذا فی حین ان الخطباء والکتّاب والمفکرین لو اجمعوا على انتهاج خطة معینة، لتکثفت الفکرة لدى الجمهور، ولترکزت الى درجة الانطلاق والعمل. فعندما یحضر المستمعون فی اکثر من مجلس ویستمعون الى نفس التوجیهات، ویلاحظون ذات الترکیز باسالیب وصور مختلفة دون الاختلاف فی الجوهر، لتحرکوا فی اتجاه واحد.
ومن هنا نجد ان من الضروری ان یتجه خطباؤنا ومفکرونا، وکل من یحاول ان یقوم بدور توجیهی فی مثل هذا الاتجاه، وهو التخطیط الشامل والموحد لأحادیثهم.
تحدید المشکلة الحقیقیة للامة
والسؤال المهم المطروح فی هذا المجال هو : ماذا یمکن ان تکون وجهة احادیث هذا الشهر الکریم، علماً ان هذه الفرصة لاتتاح للخطباء إلاّ مرة واحدة فی السنة ؟
ان من أهم الأمور، واکثرها شمولیة ونفعاً، ان نحدد المشکلة الحقیقیة التی تعانی منها الامة تحدیداً دقیقاً ونحاول معالجتها، فما هی هذه المشکلة یاترى ؟
ان البعض یزعم ان المشکلة الحقیقیة فی الامة انما هی مشکلة الافراد، لان المجتمع یتکون على أیة حال من مجموعة من الافراد. وللجواب على ذلک نقول : صحیح ان للفرد دوراً هاماً فی بناء المجتمع، ولکنه لیس الدور الوحید. لان طبیعة العلاقات الاجتماعیة ونوعیتها وکیفیة بنائها، کل ذلک یلعب دوراً حاسماً فی تحدید نوعیة المجتمع، وسیره فی اتجاه دون آخر. فالمجتمع الذی تسوده الاختلافات لا یمکنه الانتفاع من الافراد الصالحین، لان هؤلاء الاشخاص - مهما بلغوا من الصلاح، ومهما کانت نشاطاتهم واسعة ومکثفة - فان جهودهم ستتعارض مع بعضها البعض. فما فائدة الافراد الصالحین -اذن- فی مجتمع یفتقر الى العلاقات الاجتماعیة البناءة ؟
ان مثل هذا المجتمع یشبه الى حد کبیر مجموعة من السیارات الفاخرة التی یقودها سواق مهرة، ثم تسیر فی شوارع لیس فیها اشارات مرور، فاذا ببعضها یسیر فی اتجاه والآخر یسیر فی اتجاه آخر، واذا بالفوضى تسود الشوارع لانه لاتوجد اشارات مرور تنظّم سیرها مهما بلغت من القوة والمتانة، ومهما بلغ سواقها من المهارة.
مجتمع نموذجی کامل
وهکذا الحال بالنسبة الى المجتمع الذی یرتبط افراده ببعضهم عبر علاقات صالحة، فیکمل بعضهم بعضا، ویشجّع بعضهم بعضا، ویتعاونون فیما بینهم. فلا تتزاحم طاقاتهم، ولاتتناقض اتجاهاتهم، ولاتتعارض شخصیاتهم، وهذا هو المجتمع النموذجی الکامل. اما المجتمع الذی یفقد هذه الخصائص او بعضها، فانه سوف لاینجح مهما بلغ صلاح افراده. فالمجتمع الذی لایقبل التحدی - مثلاً - اویرفض الحرب دفاعاً عن قیمه وشخصیته وکیانه، فانه زائل لامحالة. وکذلک الحال بالنسبة الى المجتمع الذی یحارب، ولکن لیس من أجل القیم المبادئ، بل بسبب الانفعالات الوقتیة فانه - بدوره - مضمحل وزائل.
ان العکس هو الذی ینبغی ان یکون سائداً؛ ای ان تکون علاقة افراد المجتمع ببعضهم علاقة تسامح وعفو، وعلاقة سلم ووئام ومحبة، اما علاقتهم -کمجموع - مع الاعداء فیجب ان تکون عداء وحرب وتحد.
قیم الرسالة فی حیاتنا الاجتماعیة
وانا أرى ان المشکلة التی نعانی منها - نحن المسلمین - هی مشکلة اجتماعیة بالدرجة الاولى. فنحن لم نلتزم بالقیم الاسلامیة التی أمرنا الله سبحانه وتعالى بها فی حیاتنا الاجتماعیة. فقد یکون الافراد صالحین، ولکن صلاحهم یبقى أثره محدوداً فی واقعهم، دون ان ینتقل الى واقع المجتمع وواقع السیاسة والاقتصاد فی حیاتهم.
وفیما یلی نورد آیات کریمة من سورة الشورى، محاولین ان نقیس علیها اوضاعنا الراهنة، ونستخلص منها بصائر لمعالجة هذه الاوضاع :
« فَمَآ أُوتِیتُم مِن شَیْءٍ فَمَتَاعُ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَیْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِینَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ * وَالَّذِینَ یَجْتَنِبُونَ کَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ یَغْفِرُونَ * وَالَّذِینَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَیْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ * وَالَّذِینَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْیُ هُمْ یَنتَصِرُونَ * وَجَزآءُ سَیِّئَةٍ سَیِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَاَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ یُحِبُّ الظَّالِمِینَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِکَ مَا عَلَیْهِم مِن سَبِیلٍ * إِنَّمَا السَّبِیلُ عَلَى الَّذِینَ یَظْلِمُونَ النَّاسَ وَیَبْغُونَ فِی الأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِکَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِکَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ » [۲۳]
والله تبارک وتعالى یقرر فی هذه الآیات منذ البدء ان وجهة المجتمع الاسلامی، لابد ان تکون وجهة الهیة یتطلع فیها الجمیع الى مرضاته. فما یمتلک الانسان من اشیاء فیها متعة وفائدة یجب ان تکون سبباً لأن تکون نظرته الى الحیاة أسمى، فعلیه ان یوجه نظرته الى الله سبحانه وتعالى، والى الحیاة الاخرى، لان هذه الحیاة « خَیْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِینَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ ». فاذا کانت وجهة المجتمع سامیة تتطلع نحو الأرفع والأعلى وهی الآخرة، فان هذا المجتمع لا یمکن ان تؤثر فیه الضغوط، لان أبناءه لوطلب منهم التنازل عن کل ما یمتلکون لیحصلوا على رضوان الله تعالى وحبه وجنته، فانهم سیبادرون الى التنازل طواعیة ومن دون أی تردد. ومثل هذا المجتمع هو الذی یتقدم.
ان المستکبرین یریدون منا ان نتنازل عن مبادئنا وقیمنا وشرفنا وتأریخنا، وعن نبینا وائمتنا وشهدائنا ومن بذلوا دماءهم الغالیة الزکیة من أجلنا. یطلبون منا ان نتنازل عن کل ذلک مقابل ان یرضوا عنا، فی حین اننا لا نطلب رضاهم، فیکفینا رضى الله عز وجل عنا.
التوکل على الله
ومن صفات افراد المجتمع الاسلامی انهم « عَلَى رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ ». وهذه هی صفتهم الأسمى. ومن صفاتهم الاخرى، تلک التی یشیر الیها عز وجل فی قوله :
« وَالَّذِینَ یَجْتَنِبُونَ کَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ یَغْفِرُونَ ». فهذا المجتمع ذو ظاهر وباطن نقیین طاهرین. فلا وجود فیه لزنا والخمرة والظلم والبغی والرشوة. اما علاقة افراده ببعضهم البعض فهی علاقة الغفران، فاذا ما غضب أحدهم على الآخر فانه سرعان ما یغفر له، ویصفح عن خطئه.
تحکیم مبدأ الشورى
وفی مجال العلاقات الاجتماعیة من الواجب تحکیم مبدأ الشورى، کما یشیر الى ذلک ربنا عز وجل فی قوله: « وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَیْنَهُمْ ».
وهذه الشورى یجب ان تسود ابتداءً من البیت؛ ففی داخل نطاق الاسرة یجب ان تکون العلاقة السائدة هی علاقة الشورى؛ فالأب یستشیر ابناءه، والأبناء یستشیرون آباءهم، وکذلک الحال بالنسبة الى الأمهات.
ومثل هذه العلاقة یجب ان تستمر لتمتد الى المجتمع، ولتصبح الشورى هی العلاقة المتبادلة بین أبنائه، وبین الامة وقیادتها. وعلى الخطباء والمفکرین ان یوضحوا للمسلمین ان مجتمعاتهم یتحکم بها الاستبداد بالرأی، فالشورى لیست سائدة فی هذه المجتمعات اعتباراً من الأسرة انتهاءً بالسیاسة.
عدم القبول بالظلم
والمجتمع الاسلامی هو مجتمع یأخذ حقه من الاعداء، ولایدعهم یعتدون علیه، کما تصرح بذلک الآیة التالیـة: « وَالَّذِینَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْیُ هُمْ یَنتَصِرُونَ ».
ثم یقول الله تعالى: « وَجَزآءُ سَیِّئَةٍ سَیِّئَةٌ مِثْلُهَا ». فلا یجوز لنا ان نجازی اعداءنا على سیئتهم بحسنة. واما العلاقة بین افراد المجتمع الاسلامی، فیجب ان یسودها قانون : « فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَاَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ». فالعلاقة بین بعضنا البعض یجب ان تکون علاقة عفو وإصلاح.
امـا الانسان الذی یحمل السیف دفاعاً عن نفسه وحقـه، فمثـل هذا الانسان لیس علیه من سبیل کما یقول القرآن الکریم: « وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِکَ مَا عَلَیْهِم مِن سَبِیلٍ ». بل ان السبیل « عَلَى الَّذِینَ یَظْلِمُونَ النَّاسَ وَیَبْغُونَ فِی الأَرْضِ بِغَیْرِ
الْحَقِّ أُوْلَئِکَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ ».
الصبر وبُعد الأفـق
والمجتمع الاسلامی الأمثل یجب ان یکون مجتمعاً صابراً یفکر فی المستقبل البعید، کما یشیر الى ذلک عز وجل : « وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِکَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ ». فعلى المجتمع المسلم ان لا یفکر فی الحاضر والمستقبل القریب فحسب، فسرّ الانتصار والتقدم یکمن فی الصبر والعزم الحدیدی الذی لایلین.
ان هذه الافکار الرسالیة یجب ترسیخها فی الامة. فلو غیرنا انفسنا وفق البرامج الرسالیة، فان الله سبحانه وتعالى سیغیر احوالنا الى الخیر، ویصلح ما فسد من أمورنا. وفی هذا المجال تعتبر التوبة الفردیة ضرورة قصوى. فکل واحد منا ینبغی ان یفکر فیما بینه وبین الله عز وجل، فیحاول ان یتخلص من ذنوبه، ومن الخرافات والضلالات التی ارتکس فیها.
ضرورة التوبة الجماعیة
والتوبة الجماعیة هی الاخرى ضروریة ایضاً، ولابد للمجتمع الاسلامی کله ان یتوب الى الله. ومعنى التوبة الى الله العودة الى القرآن الکریم، والى برامج الله فی القرآن. فیجب ان تتغیر المعادلات القائمة فی بلادنا لتحل محلها المعادلات الاسلامیة، وان تتغیر اخلاقنا الاجتماعیة الى اخلاق اسلامیة، بل علینا ان نغیر کل موقفنا منذ هذه اللحظة الى مواقف یملیها علینا القرآن الکریم.
فلتکن دعواتنا، وتوجیهاتنا الى کل ما هو اسلامی. وانا ادعو هنا کل الخطباء والمفکرین والکتّاب والمثقفین وجمیع الاشخاص الذین یقومون بدور التوعیة والتوجیه، ان یجعلوا من هذا البرنامج الذی قدمته لنا سورة ( الشورى ) برنامجاً لتوجیهاتهم، وان یعقدوا الجلسات والمؤتمرات، ویجتمعوا مع بعضهم مرة واحدة فی کل اسبوع على الاقل لیناقشوا المواضیع التی یریدون طرحها على الناس.
جسـراً للآخـرة
کلما نستقبل شهررمضان الفضیل تطرح امامنا الفکرة التالیة، وهی ان کل شهر نستقبله هو شهر جدید، وان الله سبحانه وتعالى قد قدر لکل واحد منا ان یمر بعدد معین من اشهر رمضان نعیشها خلال حیاتنا. ومهما یکن العدد فانه لابد ان ینتهی، والحقیقة التی یمکن ان تنتهی ان رمضان هو جزء من واقعنا وکیاننا وحیاتنا.
انها لحظات تمر حتى تنتهی الى تلک اللحظة التی قدر الله تعالى ان یجعلها أجل الانسان. والمشکلة اننا لانعرف متى تکون تلک اللحظة. وحتى لو عرفناها، وعرفنا اننا سنعیش - مثلاً - سبعین عاماً، فان هذا یعنی اننا یجب ان نکتسب خلال هذه السنین عملاً ینفعنا غداً، وإلاّ سنکون ممن قال عنهم العلی القدیـر: « وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِینُهُ فَأُوْلَئِکَ الَّذِینَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِی
جَهَنَّمَ خَالِدُونَ » [۲۴]
ان الذین تخف موازینهم یوم القیامة رغم ان الله تبارک وتعالى منحهم فرصة امتدت الى سبعین عاماً، ورغم ذلک لم یقوموا بعمل یوازی ویساوی هذه المدة الطویلة، فانهم سیسکنون نار جهنم خالدین فیها.
فنعمة الله علیهم کانت أکثر، وفرصة العمل أکثر، ولکنهم مع ذلک لم یستغلوا تلک النعمة، ولم یغتنموا هذه الفرصة حتى جائهم الأجل.
وهم عندما یسکنون فی النار فانهم لا یسکنونها لعدة أیام أو أسابیع، وانما هم خالدون فیها. وهذا أمر لیس بالهیّن، فمن الممکن للانسان ان یتصور انه سیعیش فی نار جهمم لأیام ومن ثم یعفی الله تعالى عنه، وینجیه. ولکن اذا أصبح من المقرر بقاؤه فی نار جهنم لفترة غیر محدودة، فان هذا الأمر من الصعب تصوره، رغم انه سیکون حقیقة ملموسة قائمة فی یوم القیامة کما تصرح بذلک الآیات التالیة : « أَلَمْ تَکُنْ ءَایَاتِی تُتْلَى عَلَیْکُمْ فَکُنتُم بِهَا تُکَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَیْنَا شِقْوَتُنَا وَکُنَّا قَوْماً ضَآلِّینَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِیهَا وَلاَ تُکَلِّمُونِ [۲۵]
ترى اذا خفت موازیننا یوم القیامة فماذا عسانا ان نفعل فی هذه الحالة، وخصوصاً ان الطریق مسدود امام عودتنا الى الدنیا لنعمل الصالحات التی من شأنهـا ان تثقل میزاننـا. ولذلک فان الله تبارک وتعالى یقول لمثل هؤلاء : « اخْسَئُوا فِیهَا وَلاَ تُکَلِّمُونِ ».
لابد من التهیؤ للآخـرة
روی عن الامام علی (علیه السلام) قوله فی الترغیب فی الآخرة، والتزهید فی الدنیا، والحث على الاعمال الصالحة :
أما بعد، فان الدنیا أدبرت، وآذنت بوداع، وان الآخرة قد اقبلت واشرفت باطلاع. ألا وان الیوم المضمار، وغداً السباق، والسبقة الجنة، والغایة النار؛ أفلا تأئب من خطیئته قبل منیته ! ألا عامل لنفسه قبل یوم بؤسه ! ألا وانکم فی أیام أمل من ورائه أجل؛ فمن عمل فی أیام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله، ولم یضرره أجله. ومن قصر فی أیام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضره أجله [۲۶]
فمن المرارة بمکان ان تأتی لحظة الفراق، والوداع دون ان یهـئ الانسان نفسه لها، فی حین ان الله تعالى یقول بشأن الآخرة : « لِمِثْلِ هَذَا فَلْیَعْمَلِ الْعَامِلُونَ » [۲۷]
فما دامت الدنیا تنتهی بهذا الشکل وهو وضع الانسان تحت التراب ثم ینتهی کل شئ، فهل من المنطقی والصحیح ان یضحی الانسان بدینه وقیمه وشرفه من أجل اشباع شهواته على حساب آخرته. والله وحده هو العالم کیف سیکون مصیر الانسان بعد الموت، وقد أکدت الروایات على انه یمر بسعین موقعاً ومرحلة وعقبة اهونها الموت ؟
وفی هذا المجال یقول الامام السجاد (علیه السلام) فی دعاء من ادعیة شهر رمضان : واعوذ بک من هول المطلع . [۲۸] فعندما یخرج الانسان من قبره یوم القیامة عریان لایملک شیئاً من حطام الدنیا، یتلفت یمیناً وشمالاً، ولا یرى احداً یستعین به فی تلک اللحظات الصعبة العسیرة.
ان الدنیا هی دار الغرور، والواحد منا ینهمک فیها باشباع رغباته وشهواته، والجری وراء مظاهرة الکاذبة الخادعة دون ان یشعر بمجئ شهر رمضان، واهمیة هذا الشهر فی تحدید مصیره الاخروی.
ربیع تبتل ومنهاج تزکیة
ان شهر رمضان هو ربیع الدعاء والتبتل والتزکیة، والتوجه الى الخالق.. ولکن لمن یستغل هذا الربیع. فالبعض من الناس یزدادون بعداً عن الله فی شهر رمضان، لانهم لم یتوجهوا الى تلاوة القرآن الکریم وقراءة الأدعیة، فغلبت علیهم شقوتهم.
وهذا یعنی ان الانسان من الممکن له ان یتخذ من شهر رمضان أو ایة مناسبة روحیة اخرى، معراجاً الى الله سبحانه وتعالى، فتحدث عنده هذه المناسبة حالة نفسیة متسامیة یتخلص من خلالها من الصفات السلبیة کالاختلاف مع اخوته، وطغیان الشهوات علیه، والیأس من روح الله، والتکاسل عن العمل.. فالفرصة انما تکون لمن یغتنمها.
ان شهر رمضان المبارک یجب ان نتخذ منه وسیلة لاصلاح انفسنا وتزکیتها، ورفع الحجب التی تحول دون فهمنا للحیاة. ولاشک ان للقراءة المعمقة للقران الکریم وللأدعیة الشریفة الدور الأکبر فی ذلک.
فلنکثر من اعمالنا الصالحة، لان الاعمال مهما کانت کبیرة تعد قلیلة بالنسبة الى المسؤولیات الضخمة الملقاة على عاتق الانسان. والانبیاء والصالحون والزهاد کان دیدنهم استصغار اعمالهم، وعدم الاغترار بها، فکیف بنا نحن واعمالنا - على قلتها - مشوبة بالنوایا الدنیویة ؟
فلنخلص نیاتنا، ولننتفع بهذا الشهر الفضیل فی جمیع قضایانا، وخصوصاً القضایا السیاسیة. فعندما یقف أحدنا ثائراً أمام حاکم جائر قربة الى الله تعالى، فلا شک ان ثوابه سیکون عظیماً، لان نیته کانت خالصة لوجه الله الکریم؛ ففی بعض الاحیان یثأر الانسان انتقاماً لکرامته، وثأراً لشخصیته.. ولکنه فی هذه الحالة سوف لایحصل على الثواب العظیم الجزیل الذی یکون من نصیبه فیما اذا قاوم الطاغوت تقرباً الى الله جلت قدرته.
برامج عمل وسلوک
ان الثورة ضد الطاغوت بهذا المقهوم والاسلوب هی من الاعمال الکبیرة، شریطة ان یخلص الانسان فی عمله هذا. ان لا یکون الیوم ضد الطاغوت، وغداً یثور ضد الحکومة الاسلامیة بدافع الوصول الى الحکم؛ فیکون حاله کحال (الزبیر بن العوام) الذی عمل فی سبیل الله تعالى، وجاهد فی سبیل تحقیق وصیة رسول الله (صلى الله علیه وآله) بخلافة أمیر المؤمنین علی بن أبیطالب (علیه السلام). ولکن ما ان امسک أمیر المؤمنین بزمام الحکم، واذا بالزبیر یشهر سیفه ضد هذا الخلیفة الشرعی طمعاً فی السلطة. فتورط بهذه العاقبة السیئة التی نعوذ منها.
ان کل هذه السلوکیات تعنی عدم وجود الاخلاص فی العمل. فالعمل لم یکن لله عز وجل بل لقضاء المصالح، واشباع الشهوات. فالعمل عندما یکون خالصاً لوجه الخالق فانه سیکون عملاً معتبراً، وثقیلاً فی المیزان، وهذا لایمکن إلاّ بعد تزکیة الانسان لنفسه. فأذا زکى الانسان نفسه، وأبعدها عن الشهوات والمطامع الذاتیة والانانیات، فان هذا یعنی انه قد قام بعمل شاق، هو حصیلة تعب وجهود مضنیة.
وهکـذا فلابد من الاستعــداد لتزکیة النفس فی شهــر رمضان
المبارک، ولنخصص اوقاتاً منه لقراءة الادعیة باخلاص وتمعن، وخصوصاً دعاء ابی حمزة الثمالی، وادعیة الصحیفة السجادیة.. واذا لم نستطع قراءة هذه الادعیة بشکل کامل، فلنحاول ان نخصص لکل لیلة جزء منها.
والمهم فی ذلک ان نتدبر فی الادعیة، وان نتخذ منها برامج عمل وسلوک فی حیاتنا، بحیث نقرأ الدعاء وکأننا نحن المخاطبون شخصیاً. فهناک - للأسف - من یقرأ الدعاء فی حین ان ذهنه مشغول بقضایا اخرى، فلا یکاد هذه الادعیة التی یقرأونها تؤثر فی سلوکهم وتصرفاتهم، فی حین ان من المفترض فیهم ان یجعلوا منها منطلقاً لتزکیة انفسهم، واصلاح واقعهم.
فرصة التغییر الحضاری
من جملة الروائع القرآنیــة، حدیث الله تبـارک وتعالى عن العلماء الربانیین، الذی تتوالى صفاتهم فی قوله عز وجل: « أَفَمَن یَعْلَمُ أَنَّمَآ اُنزِلَ إِلَیْکَ مِن رَّبِّکَ الْحَقُّ کَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا یَتَذَکَّرُ اُولُوا الاَلْبَابِ * الَّذِینَ یُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا یَنقُضُونَ الْمِیثَاقَ» [۲۹] ثم یذکر لهم صفات أخرى الى أن یقول: « وَیَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّیِّئَةَ اُوْلَئِکَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ » [۳۰]
وهـذه الصفة وغیرها من الصفـات التی جاءت ضمن السیـاق، لایستطیع مجرد من بلغ الایمـان ان یجسدها فی شخصیتـه، وانما هـی مختصة بمن هـو أرقــى درجـة؛ بمن بلغ به العلــم الى إدراک الحقائق على وجههـا الأصیل، من خلال وعی المفاهیـم القرآنیـة وعیـاً بامکانه تطبیقه على حرکاتـه وسکناتـه ؛
لحظة بلحظة ...
لهذه الصفة الربانیة أبعاد مختلفة فی حیاة الانسان العالم بالله، وأنا فی هذا الاطار أحاول التنقل من بُعد لآخر .
البُعد الأول: جسد الإنسان؛ بمعنى یمنع ما یمکن أن یصیبه من مرض وضعف وخور. وتعنی مفردة الدرء المنع والوقایة، وضرورة أن یکون الانسان على مستوى من الوعی یدفعه الى توقی الآفات البدنیة قبل وقعها .
فالمؤمن العالم ملزم بالنظر والتحقق من مأکله ومشربه طبقاً لأوامر الشرع المقدس؛ الأوامر التی تأتی فی سیاقات الوجوب والحرمة والاستحباب والکراهة . فالله أمرنا أن نأکل الطیبات، وما أمرنا أن نأکل الخبائث. ثم أمرنا بأن ننعم بالخیرات، ونمتنع عن الاسراف. وهناک عشرات التعالیم الالهیة فی هذا الإطار، الغرض منها المحافظة على السلامة البدنیة للانسان.
ولقد کان رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم ) القدوة الحسنة للمؤمنین فی هذا السبیل، وکان یلتزم مطلق الالتزام بالتعالیم الالهیة فی طریقة المأکل والمشرب واسلوب المحافظة على آداب المائدة، وذلک لکی یقلده المسلمون لیربحوا حیاتهم وصحتهم .
ثـم هنــاک تعالیم أخرى بعیدة عن إطار المأکل والمشرب، ولکنها تساق ضمن تعالیم الوقایة والمحافظة على البدن دون الإصابة بالامراض، من قبیل کیفیة معالجة حالة الغضب التی قد تعتری الانسان فی وقائع معینة. الغضب الذی قد یؤدی - إذا لم یعالج وفق التعالیم الاسلامیة الحکیمة - الى أخطار وأمراض تلازم الانسان الى آخر لحظات عمره، او قد تکون نهایته بفعل هذه الأمراض وآثاره. وقد أمرتنا الاحادیث الواردة عن أهل البیت (علیهم السلام) ضمن تفصیلات رائعة وعجیبة بالحیلولة دون تسلط أعراض مثل هذه الحالة القاتلة.
وفی الروایات الدینیة تعالیم قیمة تحدثنا عن آداب العشرة الجنسیة، وکلها تحول دون تسرب الامراض الى الجسد، وکلها قوانین تحفظ سلامة الانسان وتعلمه کیف یکون ذا صحة مثالیة. لیس للزوجین فحسب ؛ بل هی تشمل سلامة الجنین أیضاً. ولذلک یقول الحدیث الشریف: درهم فی الوقایة خیر من قنطار فی العلاج .
إذن فمن یرید التکامل فی الایمان علیه بادئ بدء الالتزام الکامل بآداب الطعام وکل ما یخص السلامة البدنیة. وهذه الرغبة أو الطموح لا یتأتیان مالم یحمل الانسان نفسه على مطالعـة الأدب الاسلامی فـی هـذا الإطـار، من خـلال التدبـر فـی الآیات القرآنیة والأحادیث والروایات المختصة فی هذا المجال ...
البُعد الثانی: الجانب الروحی ؛ فالمتعارف یین المسلمین الیوم
- مع بالغ الأسف - أنهم یترکون ابناءهم ضحیة للبرامج الاعلامیة الماجنة، او أنهم یعهدون بتربیة أولادهم الى اناس مجهولی الحال على أقرب تقدیر، والسبب فی ذلک قد یکون فی عدم ایلائهم الاهتمام اللازم الصادر من حقیقة التشریع الاسلامی فی هذا الإطار . ثم إننا نرى الآباء والامهات - بعد کل هذا التقصیر - یعرضون اولادهم لشدید العقوبة إذا هم لم یلتزموا بالتعالیـم الدینیـة، وهذا خطأ لعمـری کبیر ؛ یصل الى حد الجریمة بحق الأولاد . فالتربیـة السلیمـة أساسها الوقایــة عـن الوقوع فی المساوئ، والآباء مدعوون قبل کل شیء الى اعداد العدة لتوفیـر وسائل واسالیب التربیة الصالحة لیضمنوا حیـاة طیبـة لأولادهـم .
إن الأغـرب فی الأمر هو أن البلاد الغربیة قد اعتمدت قاعدة التخصص حتــى فی طریقة الرعی والفندقة وغیرها من الأمور التی قد لاتخطر ببال، ولکننا نحن المسلمین نتقاعس عن ان یکون لنا خبیر فی التربیـة الصالحة . فنحن نولی أهمیة کبرى لدراسة الجغرافیة والتأریـخ، ولکننا لم نقم ببناء مؤسسات مختصة بارشاد المتزوجین وتعلیم أسس التعامل والتربیة الفذة التی تضمن تخریج أجیال صالحة وذکیة ومخلصة لدینها فی المجتمع .
فالطفل الصغیر بحاجة ماسة الى التعرف على کیفیة التعامل مع
أبیة وأمه وإخوانه وأصدقائه؛ تعاملاً یجعله قویم الشخصیة، معتدل السلوک، وبإمکانه مواجهة مصاعب الحیاة بفطنة کافیة.. ولیس کما هو الملموس والمشاهد فی واقعنـا، حیث یشب الطفل وتشب معه العقد والأمراض النفسیة الصادرة أساساً عن جهله بما یحیط به. وذلک لان أی طفل حینما یفتح عینیه على مناظر السوء واصوات الباطل، من المسیقى الماجنة والرقص والاختلاط الباطل، فانه بالتأکید لن یجد فسحة تمکنه من التفکیر السلیم او بناء الاعتقاد الصائب.
إن الاسلام یفترض مباشرة أن یسعى الوالدان الى تنمیة شخصیة الأطفال على ضوء ما رسمه هو لا غیر، وأن یقلد الأطفال المسلمون أئمتهم الهداة (علیهم السلام) حینما کانوا هم أطفالاً . بمعنى أن الآباء معنیون بأن ینقلوا لاولادهم سیرة الأئمة فیما یساعدهم فی شأن التربیة والاصلاح .
إذن فالمفروض هو أن یفکر کل انسان بانتخاب القرین المتوفر على شروط الصلاح فی الزواج، ثم یرسم الخطط المستقاة من المنهج التربوی الدینی المتفتح لرعایة الاولاد وتربیتهم، لاسیما فی ظل افتقـار مدارسنا اللادینیة لتلکم المناهـج.
البُعد الثالث: الجانب السیاسـی؛ فاقول إننا حینما نتظلم بداعی تسلــط الجبابـرة علینـا، فمن اللازم أن نعرف بأن الظلمة إنما هم
سیئات أعمالنا، وأن الجبابرة نتاج سلوکیاتنا .
فالمجتمع الفاضل هو المجتمع الذی لا ظلم فیه ولا رشوة، ولا کذب ولا سرقة، ولا أنانیة ولا غش . ومثل هذا المجتمع من المستحیل أن یسلط الله سبحانه وتعالى علیه الظلمة والجبابرة، لأن القرآن الکریم یؤکد: « وَکَذلِکَ نُوَلِّی بَعْضَ الظَّالِمِینَ بَعْضاً بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ » [۳۱] ویقول: « قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن یَبْعَثَ عَلَیْکُمْ عَذَاباً مِن فَوْقِکُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِکُمْ أَوْ یَلْبِسَکُمْ شِیَعاً وَیُذِیقَ بَعْضَکُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ کَیْفَ نُصَرِّفُ الاَیَاتِ لَعَلَّهُمْ یَفْقَهُونَ » [۳۲]
فحینما یکون المجتمع مجتمعاً فاسداً، لن یلیق به أن یحکمه الحاکم العادل. وإذا ما سلمنا جدلاً بوجود حاکم عادل، فانه سیمد یده بکل بساطة الى أخذ الرشوة، ثم ینمسخ مسخاً کلیاً لیتماشى والوضع السائد فی المجتمع .
یقول الحدیث الشریف: لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنکر أو یولّى علیکم شرارکم ثم یدعو خیارکم فلا یستجاب لهم .
فتعالوا نصلح انفسنا ونضع حداً للفحشاء المتحکمة فینا . وأمامنا فرصة ثمینة علینا اغتنامها، وهی فرصة شهر رمضان المبارک لنعلن خلاله توبتنا؛ التوبة النصوح التی تعنی وعی الصالحات ووعی السیئـات، لنعمـل بالأولى ونهجر الثانیة. وذلک من خلال عرض انفسنا على کتاب الله، کما یعرض المریض نفسـه على الطبیب فیحدد له المسموح والممنوع من الغذاء. فلننظــر الى المسافـة التـی تفصلنا عن القـرآن ومفاهیمـه ومعانیـه، ونسعى لردم الهوة القاتلـة، ونتعلم کیف نتجاوز المسافـة .
ولیس الأمر صعباً أبداً ؛ فالقضیة بحاجة الى إخلاص وتصمیم وتدوین ما یمکن تدوینه من بنود إصلاح النفس والمجتمع عن طریق الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر والتوکل على الله والاستغفـار والتوبـة الیـه .
إن على الخطباء فی هذا الشهر الکریم أن یسعوا الى بث روح القرآن الکریم بین الناس، وعلیهم التعریف بنهج البلاغة، وتشذیب التأریخ من الخدع والضلالات والشبهات، کما علیهم البحث عن أجوبة شافیة عما یدور فی أدمغة الشباب المسلم من اسئلة وشبهات تثیرها أجهزة الاعلام المعادیة للدین وإشاعات المخابرات الأجنبیة التی یبدو تصاعد حدتها فی شهر رمضان على وجه الخصوص لمعرفتهم بمدى تأثیر هذا الشهر الکریم على الروح الایمانیة للناس .
إنی أشیر عبر هذه النقطة الى أن تکون أحادیث الخطباء، أحادیث نابعة من صمیم الحاجة الاجتماعیة، لتکون أحادیث مفیدة حقاً .
إن فـی المجتمعات الاسلامیة أمراض خطیرة للغایة سیطرت أو فی طریقهـا الى السیطرة علیها، من الضروری أن تعالج معالجة جذریة، تبدأ من وضع نقاط الوقایة اللازمة؛ من قبیل مرض المخدرات الذی یجب السعی حثیثــاً لاقتلاعـه، عن طریق مواجهة النـاس بکل صراحة عن أضراره وعواقبه والقیام بالتعبئة الشمولیة ضده . وهناک مرض ادمان التدخین، الذی یتعدى الحدیث فیه المضار الصحی الى الحدیث عن الذوق الاجتماعی القاضی بضرورة عدم الحاق الضرر بالآخریـن واحترام الأماکـن التی یلوثها المدخونون، لاسیما الأماکن التی تقام فیه المجالس القرآنیة والحسینیة.. ولأن الخطباء والعلماء أصحاب رأی فی المساجد والحسینیات، فعلیهم ان یمنعوا مزاولة هذه العادة الکریهة فی هذه الأماکن لتکون بدورها السباقة ازاء الأماکن الأخرى، وبالتالی قطع الخطوات الأولى لاجتثات هذه العـادة .
ثمة مشکلة أخرى، وهی مشکلة العنوسة التی تعد بحق من الظواهر الصعبة والمستعصیة فی المجتمعات، ینبغی التفکیر لحلها. فهذه الظاهرة سبب مباشر فی انتشار الفساد والعقد النفسیة والمشاکل العائلیة الحادة .
وهناک ایضاً ظاهرة العنف والتطرف فی ابداء الآراء واثبات الحقوق، هذه الظاهـرة التی تعنی العودة الى الجاهلیة المقیتة. فمن الخطأ الممیت أن یرى الانسان نفسه على حق، بینما الآخرین على باطل وکفر وفســق. وما أزمة الانبیاء مع قومهم إلاّ أن کان الوجهـاء فی تلک المجتمعات یعاتبـون انبیاءهـم، أنهم أصبحوا ملجأً للضعفاء والفقراء من الناس، حیث کانوا یطلقـون علیهم تسمیـة الأراذل « وَمَا نَرَاکَ اتَّبَعَکَ إِلاَّ الَّذِینَ هُمْ
أَرَاذِلُنَا » [۳۳]
فقد کانت تسیطر علیهم الروح الاستکباریة، وروح الاستهانة، واستحقار الآخرین . فلا یصح مطلقاً ان تسود هذه الروح فی مجتمع یفترض أن یکون مجتمعاً اسلامیاً. فیجب معالجة ذلک عبر بث الثقافة، وتعمیم الاخلاق الحسنة على الناس، بحیث تکون الأخلاق فیه مسلکاً لا علماً جافاً ...
ان اساس علاج مختلف المشاکل والازمات الاخلافیة والفکریة یکمن فی التوجه الى الله سبحانه وتعالى، وفی أن یتوجه الانسان بقوة ایمانیة الى فهم وإدراک سبب وحقیقة وجوده فی هذه الدنیا الزائلة . فاذا عرف الانسان ربه حق معرفته، یکون من المستحیل علیه ان ینحرف .
ونحن إذ نستقبل أیام شهر رمضان المبارک، علینا ان نستفید حق الاستفادة من هذه الفرصة الثمینة، وهذه الطاقة الجبارة، لکی نضع أسس الوقایة ونعمل وفق منطوق ومفهوم النص القرآنی القائل: « وَیَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّیِّئَةَ » ثم نعمل على توجیه المجتمع الى العمل الجدی بالحسنات، لنرى بعد ذلک انقشاع السیئات والموبقات ؛ الواحدة بعد الأخرى .
مدرسة التربیة والفضیلة
شهر رمضان هو مدرسة، شریطة ان ینظر الیها الانسان کمدرسة یتعلم فیها القیم والمبادئ الاخلاقیة والروحیة. اما الذی یدخل هذا الشهر الکریم کما یدخل ای شهر آخر، فانه سوف لایصبح بالنسبة الیه مدرسة، بل قد یسبب له انتکاسة وهبوطاً فی المستوى الروحی بدلاً من ان یدفعه الى الأمام.
الصیام مدرسة
هذه الحقیقة هی الحقیقة الاولى والاخیرة التی یجب ان ندرکها فی هذا الشهر الفضیل؛ فالصیام هو - بحد ذاته - مدرسة، لانه یربی فی الانسان الارادة، ویزوده فوق ذلک بصفة التقوى، هذه الصفة التی لو امتلکها الانسان وتسلح بها لاستطاع ان یقاوم ضغط الشهوات، وضغط المجتمع..
والتقـوى هی اعظم سلاح بیـد الانسـان، یستطیع بواسطتـه ان
یسخر الطبیعة ویذللها له. وفی هذا المجال یقول القرآن الکریم :
« یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَى الَّذِینَ مِن قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ » [۳۴]
هدف الصیام التقوى
فالهدف من الصیام هو تنمیة ملکة التقوى فی نفس الانسان، ولکن هل بامکان هذا الانسان ان ینتفع من الصیام دون ان یسعى من أجل الحصول على هذه الصفة المثالیة ؟
الجواب بالنفی طبعاً. فالذین یصومون دون ان یخلصوا لله تعالى عبادتهم، ودون ان یوحوا الى انفسهم بالدافع الحقیقی الى الصوم، ویصومون دون ان یتورعوا فی ایام وساعات صومهم ویوم افطارهم.. فان مثل هؤلاء لایمکن ان یستفیدوا من شهر رمضان، کما جاء فی الحدیث الشریف :
کم من صائم لیس له من صیامه إلاّ الجوع والعطش [۳۵]
وبالاضافة الى ذلک فان شهر رمضان المبارک هو ربیع الدعاء، والدعاء هو مدرسة للانسان یستطیع من خلال التتلمذ فیها ان یصعد الى اعلى علیین بأن یصقل ذاته، ویبلور مواهبه، ویتعرف على الطاقات الکامنة فی نفسه لیستخرج کنوزها من خلال الدعاء .
وعلى سبیل المثال فلو تدبر الانسان المسلم فی دعاء (الافتتاح) لحصل له جزء لایستهان به من معرفة الله سبحانه وتعالى. فهناک فرق بین ان یؤمن الانسان بالله ایماناً اولیاً فطریاً بأن یعرف ان لهذه السماء المبنیة، ولهذه الارض المدحیة مدبراً وخالقاً یدبرهما ویدیرهما، فهذه درجة بسیطة من الایمان، وبین ان یصل هذا الانسان الى درجة الیقین حیث تأتی بعد هذه الدرجة درجـة التوکل ثم درجة التفویض التی یقول عنها الحدیث الشریف : اول العلم معرفة الجبار وآخر العلم تفویض الأمر إلیه [۳۶]
ثم یصل الانسان الى درجة لو کشف الغطاء عنه مازداد یقیناً. ومن الطبیعی انه لیس من البساطة ان وصول الانسان الى هذا المستوى الأرفع والأسمى من الایمان.
الادعیة تزودنا بمعرفة الله
وهکذا فان ادعیة شهر رمضان، وخصوصاً دعاء الافتتاح تزودنا بمعرفة الله تبارک وتعالى، ومعرفة صفاته واسمائه. اما اذا قرأنا هذه الادعیة دون ان نتوجه الى معانیها ونتدبر فیها، ودون ان نتعمق فی کلماتها واصولها، ویسودنا الشعور باننا نقف امام خالقنا ومن بیده أمرنا ومصائرنا، فان قراءة هذه الادعیة سوف تصبح بالنسبة الینا کقراءة الصحف والقصص، وحینئد سوف لا یکون الدعاء مدرسة لنا.
فلننظر فی شهر رمضان الکریم کم درجة من التقوى ارتقینا، وکم مرتبة من الایمان ارتفعنا، ولیکن جهد الواحد منا منصباً على الحصول على درجات أعلى. وهذا لایمکن إلاّ من خلال السعی المکثف، وقراءة الآیات القرآنیة. فالقرآن هو مدرسة الانسان، وهو الذی یربی الانسان یرفعه الى مصاف الملائکة. فهو بصیرة للانسان تفتح امام عینیه آفاقاً لاتحد شریطة ان یقرأه قرآءة تدبر وتفکر واستلهام واستیحاء، لا ان یقرأه وقلبه تثقله الافعال والاغلال کما یقول عز وجل : « أَفَلاَ یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ » [۳۷]
فقبل کل شئ علینا ان نفتح هذه الاقفال من قلوبنا، ونخرجها من القوقعة التی وضعناها فیها هذه القوقعة التی یطلق علیها القرآن الکریم اسم (الغلف) فی قوله عز وجل : « وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ » [۳۸]؛ ای ان قلوب هؤلاء قد وضعت فی ما یشبه (القمقم) ثم انغلق هذا القمقم علیها فهی لا تخرج منه، فالقلب الذی ینغلق بالشهوات ویصبح سجین الاوهام والخرافات لایمکنه ان یفهم شیئاً. فهو ینظر الى القرآن من زاویة هذه الشهوات والاهواء، وعبر منظار الاوهام والخرافات. وهذه حقیقة ملموسة لاسبیل الى انکارها.
تفسیر حسب الأهواء
وللأسف فأن البعض من الناس یفسرون الآیات القرآنیة حسب اهوائهم، لانهم یعیشون فی جو هذه الاهواء دون ان یشعروا، ودون ان یعرفوا انهم یعبدون اصنام انفسهم. فهناک البعض یعبدونه حقاً، ولکنهم عندما یموتون ویستیقظون على الحقیقة المرة، فان یقظتهم هذه سوف لاتنفعهم شیئا، وسوف لاینفعهم قولهم : « رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّی أَعْمَلُ صَالِحاً فِیمَا تَرَکْتُ » [۳۹] لان الله تعالى سوف یجیبهم قائلاً : «کَلآَّ إِنَّهَا کَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَى یَوْمِ یُبْعَثُونَ» [۴۰]
واذا ما أردنا ان نمثل شهر رمضان المبارک بمدرسة، قلنا ان الصوم یمثل فصلاً من هذه المدرسة، ولایمکن دخولنا فیها عبر مجرد صیامنا او تلاوتنا للقرآن او قراءتنا للادعیة، فحسب بل لنحاول ان نجعل صیامنا صیام تقوى، وقراءاتنا للادعیة قراءة نستهدف من ورائها تحصیل معرفة الله عز وجل، وذلک من خلال مناجاته. فنحن لا نستطیع ان نعرف الخالق تعالى من خلال الأدلة النظریة، بل یجب ان نتعرف علیه بقلوبنا لیتجلى لنا. وقد جاء فی الحدیث الشریف : ان الله قد تجلى لعباده فی کتابه ولکن اکثر الناس لایبصرون . فالقرآن الکریم هو تجل لذات الله عز وجل، وما علینا إلاّ ان نحاول ان نجد ربنا فی ثنایا
الآیات القرآنیة.
ضرورة الاعتراف بالنواقص
وبالتالی فان علینا ان ندخل هذه المدرسة المتکاملة، لکن نزکی انفسنا من خلال معرفة الله، وقراءة القرآن. وتزکیة الانسان لنقسه تعنی اولاً ان نعترف سلفاً بان لنا اخطاء وفینا نواقص. فالانسان الذی یرى سلفا انه کامل، ومعصوم من الزلل، فانه لایستطیع ان یزکی نفسه. فعلینا - اذن - قبل کل شئ ان نعترف بنواقصنا، ونبحث عنها من مثل النقص فی الایمان، والارادة وسائر الصفات الاخرى من قبیل صفة الصدق. فالکثیر منا یحسب نفسه صادقاً، ولکنه عند العمل یکتشف انه لیس صادقاً بما فیه الکفایة. فعندما یسأل هل کان صادقاً أم کاذباً عندما انتقد فلاناً من الناس، وهل کان انتقاده هذا من وحی ایمانه وعقله وعلمه أم کان بدافع الشهوات والاهواء ؟ فانه سرعان ما یجیب انه کان صادقاً ومخلصاً فی انتقاده، فی حین انه لم یکن کذلک فی الحقیقة.
وهکذا فان المهم ان نعرف اخطاءنا، وان نکتشف تلک الثغرات الموجودة فی ذواتنا، وخصوصاً خلال شهر رمضان الذی یعتبر فرصة ذهبیة لاصلاح الانسان لنفسه. اما اذا انتهى هذا الشهر دون ان نوفق الىاصلاح هذه العیوب والنواقص، فانها سوف تتکرس فی ذاتنا. فالانسان الذی یعانی من مرض نفسی ثم یفرأ القرآن، ولا یحاول ان یستغل هذا القرآن فی سبیل ازالة هذا المرض، فان مثل هذا الانسان فی صدره قلباً قاسیاً یقاوم الهدایة والخیر والنور.
وللأسف فان هناک من بیننا من اتبع الجاهلیة، فتراه یقرأ القرآن دون ان یتأثر قلبه، وکأن هذا القلب تحول الى حجارة. ولذلک فان علینا ان نعرف ان شهر رمضان یعتبر بالنسبة الى الانسان مدرسة، کما ویکون فی احیان اخرى بمثابة نکسة له.
زکاة الحقیقة التقوى
وفی هذا المجال یقول القرآن الکریم : « هُوَ أَعْلَمُ بِکُمْ إِذْ أَنشَاَکُم مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِی بُطُونِ أُمَّهَاتِکُمْ فَلاَ تُزَکُّوا أَنفُسَکُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى » [۴۱] فزکاة الحقیقة هی التقوى، والمقیاس هو العمل الصالح، کما یقول تبارک وتعالى فی آیة أخرى : « أَمْ حَسِبَ الَّذِینَ اجْتَرَحُوا السَّیِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ کَالَّذِینَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَحْیَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَایَحْکُمُونَ » [۴۲] فلا یحاول الواحد منا ان یصل الى مستوى من الوعی والتقوى إلا من خلال العمل الصالح، وإلاّ فمن المستحیل ان یجعل الله سبحانه وتعالى ذلک الذی لم یعمل الصالحات فی مستوى واحد مع ذلک الذی اجتهد وعمل فی شهر رمضان. فالله عز وجل انما خلق السماوات والأرض بمقیاس الحق، واعطى لکل ذی حق حقه. اما ان یتفضّل تعالى على الانسان عبثاً، ومن دون عمل واجتهاد، فان هذه الفکرة یجب ان نخرجها من اذهاننا.
وبناء على ذلک، فان علینا ان نعود انفسنا على الکدح والتعب، وعلى مقاومة جاذبیة الراحة، والشهوات. فعلینا ان نتحرر من هذه الجاذبیة ونبتعد عنها، وشهر رمضان المبارک هو افضل فرصة لذلک.
وعلینا ان نتذکر فی هذا المجال اننا لانستطیع ان نخترق الحاجز النفسی فی قلوبنا حتى لو حصلنا على الوعی، والثقافة الرسالیة السیاسیة. فهذه الاشیاء وحدها لاتکفی، فالایمان على نوعین؛ مستقر، ومستودع. والانسان المستقر هو الذی یدخل القلب، ویخترق الحواجز النفسیة. ولذلک فاننا نقرأ فی احد ادعیة شهر شعبان : اللهم صل على محمد وآل محمد واعمر قلبی بطاعتک، ولاتخزنی بمعصیتک [۴۳] فهذه الطاعة یجب ان تدخل فی القلب، وتعمره.
اما النوع الآخر من الایمان، فهو الایمان المستودع الذی یشبه الامانة التی یجب ان تسترد من المؤتمن علیها. ومن المعلوم ان مثل هذا الایمان، من الممکن فی أیة لحظة ان یسترد منا.
لا نجاح للعمل بدون تزکیة :
وهکذا فان الایمان یجب ان یکون حقیقیاً، والتزکیة ذاتیة، وإلاّ فان العمل لایمکن ان ینجح، وقد قال (النبی صلى الله علیه وآله وسلم) فی هذا المجال : انما بعثت لاتمم مکارم الاخلاق [۴۴] فلو لا اکتمال الاخلاق الحسنة لدى الانسان، وبلوغه مستوى اخلاقیاً یستطیع من خلاله ان یقابل الضغوط، لما کان قادراً على ان یعمل فی سبیل الاسلام.
ولا بأس فی هذا المجال ان ننقل للقارئ الکریم بعضاً من الاحادیث والروایات عن المعصومین (علیهم السلام) حول تزکیة النفس، والجد والاجتهاد. فقد روی فی هذا الصدد ان قیس بن عاصم قال : وفدت مع جماعة من بنی تمیم الى النبی (صلى الله علیه وآله) فدخلت وعنده الصلصال بن الدلهمس فقال : یا نبی الله عظنا موعظة ننتفع بها فانّا قوم نعمر فی البریة. فقال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) : یا قیس ان مع العز ذلاً، وان مع الحیاة موتاً، وان مع الدنیا آخرة، وان لکل شئ حسیباً، وعلى کل شئ رقیباً، وان لکل حسنة ثواباً، ولکل سیئة عقاباً، ولکل أجل کتاباً [۴۵]
وکلمات الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) هذه واضحة. فالدنیا هی ترکیبة من الحقائق؛ فبعد الحیاة موت، وبعد العز ذل، والعمل وراءه حساب، فنحن لانستطیع ان ننکر هذه الحقائق. فالاولى بنا - إذن - ان نرکب انفسنا وعقولنا على مقیاس الحقائق الکونیة، فلماذا نبالغ ونکابر ؟ فالنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) یذکرنا بان هذه الحقائق موجودة، فلیس من الصحیح ان ننکرها، ونحاول ان نهرب منها.
وعن الامام الصادق (علیه السلام) انه روى عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) قوله: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، فحسن منقلبه اذ رضی عنه ربه عز وجل. وویل لمن طال عمره وساء عمله، فساء منقلبه اذ سخط علیه ربه عز وجل .[۴۶]
وهکذا فان الانسان المسلم لایمتلک فی حیاته سوى بضعة اشهر من رمضان، وهو مع ذلک لایعرف هل سیعیش فی الشهر القادم ام لا. فهناک الکثیر ممن طواهم الموت قبل فترة قصیرة وقد کانوا یحسبون انهم سیعیشون رمضان، والبعض منهم کان قریباً من هذا الشهر، وکان قد وضع لنفسه برنامجاً فیه، ولکن المنیة عاجلتهم. ولذلک فان على الانسان ان یسعى ویبذل جهده، وان یقاوم الوساوس الشیطانیة التی تحاول ان تثبطه. فالشیطان یغوی الانسان، ولا یرید له الخیر، ویحاول ان یسحبه الى الارض، ویغله باغلالها. وقد یکون هذا الشیطان جنیاً لایستطیع الانسان رؤیته، وقد یکون إنسیاً تراه؛ فهو قد یوسوس لک من خلال صاحبک، فیضلک عن الطریق.
ولذلک یؤکد القرآن الکریم على هذا المعنى قائلاً فی سورة (الناس) : « قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِکِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِی یُوَسْوِسُ فِی صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ »
فهنالک اناس هم فی الظاهر معک، ولکنهم فی الحقیقة شیاطین یحاولون ان یضلوک ویغووک ویحرفوک عن جادة الحق تحقیقاً لأهدافهم الخبیثة.
بذل الجهد هو المقیاس :
فلیکن لدینا مقیاس، وهذا المقیاس هو ان نبذل کل جهدنا، وان لا ندخر وسعاً - إن کان بسیطاً - إلاّ وبذلناه فی سبیل الوصول الى أهدافنا وأمانینا التی من أهمها تزکیة النفس، وتنمیة المواهب الخیرة فیها، وتصفیة الذات من الشهوات، وتقویة الارادة.. وهذه هی الأهداف البعیدة المدى، التی نرجو تحققها فی شهر رمضان الفضیل.
واذا ما وهنّا وانهزمنا نفسیاً، واذا تصورنا اننا لا نستطیع ان نخرق حجب ذواتنا، ونصل الى معادن النور، فلنحاول -حینئذ- ان نتضرع الى الله جلت اسماؤه، وان نتوسل الیه، ونتکل علیه. فهو تعالى قادر على ان ینتشلنا من تلک الحالة النفسیة السلبیة، وان یرفعنا الى أعلى علیین بقدرته التی خلق بها السماوات والارض. ولذلک فان علینا دائماً ان نرغب الى الله، ونتوسل الیه فی دعائنا لکی نجد الخشوع فی انفسنا، وتجری الدموع من أعیننا، وحینئذ سوف تتفتح امامنا ابواب السماء، لتنهمر منها الرحمة الالهیة الواسعة.
مکاسب رمضانیة
ان لیالی شهر رمضان عندما تبدأ بالتصرم والانقضاء، بعد ان کانت حافلة بالتهجد والعبادة والتبتل وحضور مجالس العلم، لابد ان تکون بایامها مدرسة کافیة لصیاغة شخصیات المؤمنین من جدید وتربیتهم وتزکیتهم. ففی هذه اللیالی الاخیرة یستعد الجمیع لوداع هذا الشهر المبارک. فنحن عندما نودع هذا الشهر الکریم نکون کمن یزور مدینة جمیلة رائعة، فیطوف فی ارجائها، ویتمتع بمناظرها، ویستریح الى افیائها، ثم هو یرید ان یغادرها لیعود الى بلده. فما هو واجبه فی هذه الحالة ؟
انه - بالطبع - لابد ان یفتش فی هذه المدینة عن أجمل ما یمکن یحمله معه من متاع وتحف وهدایا وما الى ذلک، فیقول فی نفسه : مادمت سوف اغادر هذه المدینة، فلأجمع من تحفها، وآثارها ما انتفع به فی بلدی.
وهکذا الحال بالنسبة الى شهر الله العظیم رمضان، فاننا فی کل عام نودعه. فکیف - یاترى - نحمل تحفه الىغیره من الشهور ؟ فمسؤولیتنا فی الاسبوع الاخیر من شهر رمضان المبارک، تتمثل فی ان نحمل ما یمکننا حمله من مدینة المغفرة والرضوان الى سائر الایام.
مکاسب رمضانیة :
السؤال الآخر والمهم هو : کیف نکرس مفاهیم وقیم الایمان وروح التقوى التی حصلنا علیها فی هذا الشهر الفضیل فی انفسنا دائماً وابداً ؟
وللأسف الشدید حقاً، فان البعض من المسلمین - وهم لیسوا بالقلیل فی البلدان الاسلامیة - لایصلون إلاّ فی شهر رمضان. فترى الواحد منهم اول یوم من ایام شهر رمضان یغتسل غسل التوبة ویغیّر ملابسه، فلا تلقاه إلاّ فی المساجد والمحافل الدینیة والروحیة. فیصوم النهار، ویتعبد فی اللیل الى یوم العید، لیعود فی هذا الیوم الى موبقاته، وخطایاه، وآثامه، وکأن من الواجب علیه ان لایکون انساناً صالحاً إلاّ فی شهر رمضان !!
ترى ما هو السبیل الى ان لا نکون من ضمن هذه الفئة من الناس، وکیف نمتنع فی شهر رمضان عن الغیبة، والتهمة وسوء الظن بالآخرین، وسائر الصفات السیئة، ثم نستمر على هذه الحالة حتى بعد شهر رمضان ؟
للاجابة علىهذا التساؤل المهم نقول : ان هناک حقیقة أکدت علیها الروایات والاحادیث الشریفة، وهی ان الانسان الذی یتوب الى الله جل وعلا إن قبلت توبته، فان قلبه سوف لایحن الى الذنب مرة اخرى، وإن لم تقبل فانه یبقى فی حالة حنین واشتیاق الى اقتراف الذنب. ونحن فی اللیالی الاخیرة من شهر رمضان المبارک نؤکد المیثاق مع الله تبارک وتعالى على ان لا نعود مرة اخرى الى الذنوب، ونستغفر خالقنا بقلوبنا کما نستغفره بألسنتنا. فما علینا فی هذه الحالة إلاّ ان نراجع هذه القلوب؛ فان کانت ترید العودة الى الذنوب، فهذا یعنی ان توبتنا لم تقبل بعد، وان علینا ان نجتهد فیما تبقى من شهر رمضان. اما اذا اصبح القلب کارهاً للذنب، واذا ما استشعر الندم الحقیقی، فحینئذ ستکون مقبولة.
تحدید الذنوب
وعلینا نحن ان نحدد أولاً الذنوب التی ندمنا علیها. ولقد کان الزهاد والعبّاد قدیماً عندما کانوا یحاسبون انفسهم، یبادرون الى تسجیل ذنوبهم، فوجد انه قد ارتکب سبعین ذنباً خلال سبعین عاماً ولیس خلال یوم واحد. اما نحن فاننا اذا سجلنا ذنوبنا من الصباح حتى اللیل فمن الممکن ان تبلغ ذنوبنا ذلک العدد خلال یوم واحد !
فلا بــأس - إذن - من ان نسجل الذنوب التی اقلعنا عنها. اما
ان ندعی اننا منزهون عن الخطایا، ونزکی انفسنا، ونرى اننا طاهرون مطهرون، فان هذا التصور یعتبر - بحد ذاته - أعظم الذنوب. فالعجب، والغرور، وتنزیه النفس، کل ذلک هو من الکبائر.
وبناء على ذلک؛ فمما لاشک فیه اننا قد اقترفنا الذنوب، فلنعیّنها بالتحدید. ولنقم بهذه العملیة فی اللیالی الاخیرة من شهر رمضان المبارک من خلال تحدیدها، والندم علیها، والاستعاذة بالله العزیز من شر الشیطان الذی دفعنا الى ارتکابها. فلنبادر الى تسجیلها، ولنعقد العزم من الآن على ان لانعود الیها، ولنحاسب انفسنا یومیاً لنرى هل عدنا الى اقتراف ذنوبنا ام لا، وإلاّ فان من العبث ان نستغفر الله تبارک وتعالى من الذنوب ثم نرتکبها مرة اخرى. فمن یضمن انک بعد تلک الذنوب ستوفق الى التوبة ؟ فهناک من الذنوب ما ینساه الانسان، فما من احد یستطیع ان یدعی انه یتذکر کل ذنوبه.
الاجواء الایمانیة :
وثمة ملاحظة تتمثل فی ان الانسان بامکانه ان یبقى طاهراً إذا عاش فی جو طاهر، وبیئة نقیة نزیهة. فهو یتعرض فی هذه الدنیا الى ضغوط الشهوة من الداخل، والمجتمع من الخارج، والشیطان من الداخل والخارج معاً، فلا یدعه کل ذلک یعیش نقیاً طاهراً من الذنوب.
وهکذا فلا بد من أجل ان نحافظ على مکاسبنا الایمانیة التی حصلنا علیها خلال شهر رمضان ان ندخل فی حصن الولایة؛ أی ان یجتمع بعضنا الى بعض، ونکون ضمن تجمعات ایمانیة صادقة یوحی بعضها الى بعض تقوى الله، وتتبادل النصیحة، ویحرض بعضها البعض الآخر على الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، وبالتالی فان هذه التجمعات ستمنحنا حصانة تحول دون الوقوع فی الذنوب مرة اخرى.
شهر رمضان ربیع الایمان
ان شهر رمضان الفضیل هو بالنسبة الینا ربیع الایمان، وربیع التقوى، وربیع الصفات الحسنة، وربیع تلاوة القرآن الکریم... ومن المعلوم ان نفوسنا تشحن فی اللیالی والایام الاخیرة من شهر رمضان بسیل من التوجیهات والتعلیمات، ولو اننا استفدنا من کل توجیه وحدیث فائدة حقیقیة تنفذ الى قلوبنا، واذا ما استوعبنا من کل حدیث کلمة معبرة، ونصیحة مؤثرة، فسوف ینهمر علینا شلال من النور، وسیل غامر من الرحمة الالهیة.
ان شهر رمضان هو شهر الله، والشیطان الرجیم مغلول ومقید فیه. فلا بد لکل واحد منا من ان یحافظ على هذه الاجواء الروحیة، والتعالیم والقیم من خلال الحرص على تشکیل تلک التجمعات، والانضمام الیها.
ومن الحقائـق الملموسة فی علمنــا، ان کل واحد منا لایمکنه
ان یعیش فرداً، بل لابد له من یعیش فی اطار تجمع. وحتى المؤمنون فی الجنة، فعلى الرغم من انهم فی شغل فاکهون هم وازواجهم، إلاّ انهم یتخذون اصدقاء واصحاباً یجلسون معهم، ویتحدثون الیهم. وبالتالی فان لذات الجنة لاتشغلهم عن لذة مجالسة اخوتهم. وهکذا الحال بالنسبة الى الدنیا، فان لذة الانسان المؤمن تتمثل فی لقاء الله جل وعلا، ولقاء الاخوة الذین یحبهم فی الله.
توحید القلوب
وبالطبع فان هناک بعض الثغرات، والنواقص الروحیة، وهی ان یعمد الشیطان الى افسار ما بینک وبین اخوتک. فلنحاول فی شهر رمضان بما استغفرنا ربنا، وبما استطعنا ان نرفع الحواجز التی کانت قائمة بیننا وبین اخوتنا، ان نقترب منهم. فحبهم فی ذات الله هو مقیاس لمدى ایماننا، ومدى قدرتنا على حل مشاکل مجتمعنا.
وللأسف فان المجتمعات التی عشنا فیها کان بعضها متخلفاً، وکانت تدعونا الى التدابر والقطیعة، وتدفعنا الى التنابز بالالقاب القبیحة. فلنحاول ان نتخلص من هذه الرواسب. فمن المفترض فینا ان لا نفتش عن ابناء مدینتنا او جیراننا او اقربائنا لکی نتخذهم اصدقاء، بل علینا ان نبحث عن اخوة لنا فی الایمان فی مــدن وبلدان اخرى لکی نحتضنهم ونتخذهم اصدقاء. وهذا هو
المستوى الذی یجب ان نرتفع ونسمو إلیه.
ولنا فی سیرة النبی (صلى الله علیه وآله ) خیر قدوة واسوة حسنة لنا فی هذا المجال. فقد جعل (صلى الله علیه وآله) سلمان الفارسی من أهل بیته فقال: سلمان منا أهل البیت [۴۷] وهکذا الحال بالنسبة الى ابن ام مکتوم الرجل الضریر والمعدم، الذی کان منبوذاً فی المجتمع الجاهلی، وبلال الحبشی، وصهیب الرومی...وهذا هو السر الذی جعل أهل افریقیا - مثلاً - یؤمنون بالاسلام، ویمقتون العنصریة والجاهلیة الغربیة، وهو نفسه السر الذی جعل أهل ایران یفتخرون بسلمان المحمدی، ذلک لانه ادرک ان الاسلام لا مکان للعنصریة فیه.
فلنحاول نحن ایضاً ان نعود الى صفاء الاسلام ونقائه وروحه، وإن کانت هناک عصبیة فلنبتعد عنها ابتعادنا عن الجیفة المنتنة. فعن أبی عبد الله الامام الصادق (علیه السلام) یقول : من تعصَّب عصبه الله عز وجل بعصابة من نار [۴۸]
الاستمرارعلى الممارسات العبادیة
ان الذی نحتاجه من أجل ان نحمل هدى رمضان الى الاشهر الاخرى، هو ان نحافظ ونواظب على بعض الممارسات التی اکتسبناها من شهر رمضان، من مثل صلاة اللیل وتلاوة القرآن وقراءة الأدعیة، وما الى ذلک من الممارسات العبادیة. وبالطبع فانی لا اقصد ان یعود أحدنا نفسه على اداء تلک العبادات کلها، فمن الممکن ان تکون هذه العملیة صعبة علینا، بل لنحاول ان نتعود على واحدة من تلک الممارسات على الاقل، وان لانترکها. کأن نستمر - مثلاً - فی تلاوة القرآن الکریم، ونواظب علیها بعد شهر رمضان المبارک.
ولنا فی سلفنا الصالح خیر قدوة فی هذا المجال، فقد کان کل واحد منهم یختم القرآن الکریم فی کل لیلة، فیبدؤون بقراءته من أوّل اللیل لیفرغوا منه فی آخره، وذلک فی شهر رمضان. اما نحن فلا نقرأ منه سوى جزء فی اللیلة الواحدة، وبالطبع فانه لابأس بهذا المقدار من القراءة شریطة الاستمرار علیها بعد شهر رمضان، لان هذا الاستمرار من شأنها ان یکرس هذه العادة الحسنة فی انفسنا، ویجعلها تؤتی ثمارها وأکلها المتمثل فی تهذیب السلوک، وتعدیله على ضوء وصایا وتوجیهات وارشادات هذا الکتاب العظیم.
وصایا رمضانیة
تقبل علینا فی کل عام أیام شهر رمضان، واولئک الذین یستعدون لاستقبالها هم الذین یستطیعون ان یحرزوا فیها نجاحاً کبیراً. اما اولئک الذین یهملون استقبال هذا الشهر، ویترکون الاهتمام بأیامه المبارکة وساعاته، فانهم سوف یدخلون هذا الشهر العظیم ویخرجون منه کما کانوا قبل دخوله .
وعلى هذا فان شهر رمضان، هو شهر الرحمة ولکن لمن تعرض للرحمة، وهو شهر المغفرة ولکن لم استغفر، وشهر الرضوان لمن اراد الرضوان. أما إذا لم یتحرک الانسان ویسعى، فان هذا الشهر ستنقضی أیامه، ویسجل فی حسابه شهراً کاملاً دون ان یحصل على مکسب ملموس. فلا یکن نصیب الواحد منا منه، إلاّ الجوع والعطش دون الرحمة والرضوان. فالله سبحانه وتعالى أعدَّ لنا فیه مائدة مبارکة عظیمة، والرجال الذین یدخلون فی رحاب رحمة الخالق هم الذین ینتفعون بهذه المائدة.
کیف نستعد لشهر رمضان ؟
والسؤال المهم المطروح فی هذا المجال هو : کیف نستعد لشهر رمضان ؟
قبل أن أجیب على هذا السؤال، لابد من ان نذکر ملاحظة مهمة علینا ان نأخذها بنظر الاعتبار، وهی اننا نرى بعض الناس خاشعین فی صلاتهم، والبعض الآخر یصلی صلاة کنقر الغراب، والسبب فی ذلک ان الانسان الذی یکون خاشعاً وخاضعاً فی وضوئه، یکون کذلک فی صلاته؛ ای ان الانسان الذی یهتم بالوضوء الذی هو مقدمة الصلاة، ویهئ نفسه للصلاة، فان الصلاة التی یؤدیها ستکون صلاة سلیمة. اما ذلک الذی یتوضأ وهو مشغول فی أمور الدنیا، فان فکره سوف لایکون مترکزاً على الوضوء، ولذلک فان تفکیره سوف لایکون منصّباً على الصلاة ایضاً. وعلى هذا فان من یسبغ وضوءه، ویؤدّیه حق ادائه، فانه سوف یخشع فی صلاته. والعکس صحیح .
وعلى هذا الاساس، فان علینا ان نعدّ انفسنا قبل ان ندخل شهر رمضان. فکیف نهئ انفسنا، وماذا علینا ان نفعل ؟
ضرورة البرمجة لشهر رمضان
ألف: علینا أوّلاً ان نلتزم ببرنامج معین. فالله سبحانــه وتعالـى
عندما فرض الصلاة، فانه حدد لنا اوقاتها، وأکد على اقامتها فی هذه الاوقات فی قوله : « إِنَّ الصَّلاَةَ کَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتَاباً مَوْقُوتاً » [۴۹] وقوله : « حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى » [۵۰] فلا یجوز لنا ان نصلی فی أی وقت شئنا، ولکننا نرى - للأسف - بعض الظواهر السلبیة فی هذا المجال. فهناک منا من یجمع صلوات السنة باکملها لیؤدیها فی شهر رمضان، او یؤخر صلوات النهار لیؤدیها فی اللیل. فهل مثل هذه الصلوات مقبولة ؟ ان المطلوب ان تؤدّى الصلاة فی وقتها المحدد لها، وهذا یعنی ان حیاة الانسان یجب ان تکون مبرمجة. فکل شئ بوقته؛ الأکل والشرب والنوم والطاعات..
ربیع القرآن
باء: ان شهر رمضان هو ربیع القرآن. وفی هذا المجال لدی ثلاث نصائح اقدمها، فیما یتصل بتلاوة القرآن فی شهر رمضان:
1- علینا ان نجتنب قراءة القرآن لوحدنا، بل لنقرأه مع اولادنا وزوجاتنا، ولنبدأ بجلسة القرآن بعد وجبة الافطار مباشرة، ولیحضر معنا حتى الطفل الرضیع مهما کان عمره، لان الانسان یتوجه منذ طفولته. وعلى هذا یجب علینا ان نضع برنامجاً لأولادنا، لان لهم حقاً علینا. فالقرآن الکریم یقول : « یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوا قُواْ أَنفُسَکُمْ وَأَهْلِیکُمْ نَاراً »[۵۱] ویقول: « وَأْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَیْهَا » [۵۲] فهل یحب أحدنا ان یحترق أولاده فی نار جهنم ؟
2- لنقرأ فی کل یوم جزء او جزئین من القرآن حسب قدرتنا، ولنخصص فی کل یوم ولیلة وقتاً معیناً للتدبر فی القرآن .
3- لنحاول ان نحفظ سورة واحدة من سور القرآن المتوسطة کسورة الحجر، او الرعد، او ابراهیم. فقد روی فی هذا المجال عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال : عدد درج الجنة عدد آی القرآن، فاذا دخل صاحب القرآن الجنة قیل له : ارقـأ واقرأ لکل آیة درجة فلا تکون فوق حافظ القرآن درجة [۵۳] فلیحاول کل منا ان یحفظ القرآن حسب استطاعته، وان یضیف الى رصیده فی کل سنة سورة، ولاینس ان یقرأ هذه السورة فی احدى صلواته. فلا تأتین یوم القیامة، وقد حصل الجمیع على جوائز، وتقف أنت وقد لفتک الحسرة والندامة .
فلنفکر فی انفسنا؛ این سنذهب غداً، وماذا سیقولون لنا، وماذا یطلبون منا ؟
ولنعلم ان کلام اللغو واللهو لاینفع، فهو إن لم یضرّک فانه لاینفعک. فمن صفات المؤمنین انهم یعرضون عن اللغو، ویشغلوا انفسهم بدلاً من ذلک بالتسبیح، وقراءة القرآن، وبالتالی فانهم یستفیدون من اوقاتهم. فکل لحظة لایستغلها الانسان، سوف تتحول الى حسرة علیه یوم القیامة. ومن عادة المتحسر انه یعض انامله، ولکنه فی یوم القیامة یعض کلتا یدیه کما یقول سبحانـه : « وَیَوْمَ یَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى یَدَیْهِ » [۵۴]
الاهتمام باحادیث أهل البیت (ع) :
جیم: نحن نؤمن بان الرسول (صلى الله علیه وآله) عندما ودعنا، والتحق بالرفیق الأعلى، فانه خلّف وراءه الثقلین؛ کتاب الله، وعترته. فکتاب الله تعالى هو القرآن، واما عترة الرسول (صلى الله علیه وآله) فتتجسد لنا الآن فی هذه الروایات، لان أهل البیت (علیهم السلام) نطقوا بالاحادیث التی نقرؤها. فکم یاترى حفظنا من هذه الاحادیث ؟ ان من الأمور المستحبة للغایة ان یحفظ الانسان أربعین حدیثاً، فقد جاء عن الرسول (صلى الله علیه وآله): من حفظ من أحادیثنا أربعین حدیثاً بعثه الله یوم القیامة عالماً فقیهاً [۵۵] ولذلک فانی انصح اخوانی ان یحفظوا فی کل لیلة حدیثاً مهما کان قصیراً، وانا ادعو الاخوة الخطباء، والاخوان الذین یشرفون على الهیئات ان یعدوا قائمة بالاحادیث القصار لکل معصوم، ثم یطرحون فی کل لیلة حدیثاً واحداً، وعلى
المستمعین ان یحفظوا هذا الحدیث.
ضرورة صلة الرحم
دال: لنحاول ان نزور اقاربنا فی شهر رمضان، وبالطبع فانه الشیطان یسوّف لنا ان نصل ارحامنا فی الغد او بعد الغد، وعلینا ان لانسمح له بذلک، فقد جاء فی الحدیث : إن أهل النار إذا دخلوها، ورأوا نکالها وأهوالها، وعلموا عذابها وعقابها، ورأوها کما قال زین العابدین (علیه السلام): ما ظنک بنارٍٍ لا تبقی على من تضرّع إلیها، ولا یقدر على الخفیف عمّن خشع لها، واستسلم إلیها، تلقی سکانها بأحرّ ما لدیها من ألیم النکال وشدید الوبال یعرفون أن أهل الجنة فی ثواب عظیم، ونعیم مقیم، فیؤمّلون ان یطعموهم او یسقوهم لیخفَّ عنهم بعض العذاب الألیم، کما قـال الله عز وجل جلاله فی کتابـه العزیـز : ونادى اصحاب النار أصحاب الجنة أن افیضوا علینا من الماء أو مما رزقکم الله قال : فیحبس عنهم الجواب أربعین سنة، ثم یجیبونهم بلسان الاحتقار والتّهوین: إن الله حرمهما على الکافرین قال: فیرون الخزنة عندهم وهم یشاهدون ما نزل بهم من المصاب فیؤمّلون ان یجدوا عندهم فرحاً بسبب من الاسباب، کما قال الله جل جلاله : وقال الذین فی النار لخزنة جهنم ادعوا ربکم یخفف عنا یوماً من العذاب قال : فیحبس عنهم الجواب أربعین سنة، ثم یجیبونهم بعد خیبة الآمال: قالوا فادعوا وما دعاء الکافرین إلاّ فی ضلال قال : فإذا یئسوا من خزنة جهنم، رجعوا الى مالک مقدّم الخزّان، وأمّلوا ان یخلّصهم من ذلک الهوان، کما قال جل جلاله : ونادوا یا مالک لیقض علینا ربک قال : فیحبس عنهم الجواب أربعین سنة وهم فی العذاب، ثم یجیبهم کمال قال الله فی کتابه المکنون : قال إنکم ماکثون قال : فإذا یئسوا ( یأملون ) من مولاهم ربّ العالمین الذی کان أهون شیءٍ عندهم فی دنیاهم، وکان قد آثر کلّ واحد منهم علیه هواه مدة الحیاة، وکان قد قدّر عندهم بالعقل والنّقل أنه اوضح لهم على ید الهداة سبل النجاة، وعرّفهم بلسان الحال أنهم الملقون بأنفسهم الى دار النکال والأهوال، وأنّ باب القبول یغلق عن الکفار بالممات أبد الآبدین، وکان یقول لهم فی أوقات کانوا فی الحیاة الدنیا من المکلّفین بلسان الحال الواضح المبین : هب انکم ما صدّقتمونی فی هذا المقال، أما تجوّزون أن أکون من الصادقین ؟ فکیف اعرضتم عنی، وشهدتم بتکذیبی وتکذیب من صدّقنی من المرسلین ؟ وهلاّ تحرّزتم من هذه الضرر المحذّر الهائل ؟ اما سمعتم بکثرة المرسلین، وتکرار الرسائل ؟ ثم کرّر جل جلاله مرافقتهم فی النار بلسان المقال فقال : ألم تکن آیاتی تتلى علیکم فکنتم بها تکذبون فقالوا : ربنا غلبت علینا شقوتنا وکنّا قوماً ضالین ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون فیقفون أربعین سنة ذلَّ الهوان لایجابون، وفی عذاب النار لایکلّمون، ثم یجیبهم الله جل جلاله : اخسؤا فیها ولا تکلّمون قال : فعند ذلک ییأسون من کل فرج وراحة، ویغلق أبواب جهنم علیهم، ویدوم لدیهم مآتم الهلاک والشهیق والزفیر والصراخ والنیاحة [۵۶] وکما فی الروایات ان أهل النار فی اثناء بکائهم یشتکون من عدة أمور، من ضمنها کلمة (سوف) لان اکثر مایشتکی منه أهل النار تسویف العمل وتأخیره. حیث اروی عن العالم (علیه السلام) أنه قال فی کلام طویل... : فلا تدعوا التقرب الى الله جلّ وعز بالقلیل والکثیر على حسب الامکان، وبادروا بذلک الحوادث، واحذروا عواقب التسویف فیها، فانما هلک من هلک من الأمم السالفة بذلک.. [۵۷]
ترک الهجر والقطیعة
هاء: ترک الهجر والقطیعة، فلنحاول اعتباراً من أوّل شهر رمضان من کل سنة ان نحارب الشیطان، والنفس الامارة بالسوء. ولنکن نحن المبادرین فی ان ننهی هجرنا لاخوتنا.
اغاثة المستضعفین
واو: الاهتمـام بالمستضعفیـن والمحرومیـن. فالنبـی (صلى الله علیه وآله) یقول فی خطبته المعروفة : اتقوا الله ولو بشق تمرة . فلنجعل لانفسنا فی شهر رمضان برنامجاً لاغاثة المستضعفین، علماً ان المسلمین لم یکونوا یعالجون مشکلة الفقر بهیئات اغاثة، بل کانوا یطبقون مبدأ التکامل الاجتماعی؛ أی ان کل انسان مسلم یشعر فی داخله، بان علیه ان یهتم باخوانه المؤمنین. وانا اطلب بشکل جدی من اخوانی المؤمنین ان یبحثوا عن الفقراء المتعففین. الذین یقول عنهم تعالى : « یَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِیَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِیمَاهُمْ لا یَسْاَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً» [۵۸]
حضور مجالس الذکر
زاء: اکثروا من حضورکم فی مجالس الذکر. فکلما کان الحضور فیها أکثر، کلما تنزلت برکات الله علینا أکثر. فید الله تعالى مع الجماعة، والملائکة تتنزل على هذه المجالس؛ مجالس الذکر. فلنحاول احیاء هذه المجالس، لانها حیاة القلوب.
قراءة الکتب الدینیّة
حاء: الوصّیة الاخیرة تتمثل فی؛ ان علینا - بالاضافة الى ماسبق - ان نهتمّ بقراءة الکتب الدینیة، وخصوصاً المسائل الشرعیة.
وهنا تنتهی وصایا شهر رمضان الفردیة، ولدیّ هنا وصیة جماعیة ترتبط بنا جمیعاً، وهی ان شهر رمضان هو مناسبة للتعارف والتآلف والتحابب، ویا حبذا لو ینتمی کل واحد منا الى هیئة خیریة، یتخذها کهدیة الى سائر الأشهر.
ولا یغیب عنا ان القرآن الکریم حینما یحدثنا عن الشیطان، فانه یصوره باعتباره ألدّ اعداء الانسان. فلأنه لم یسجد لآدم (علیه السلام)، طرد من الجنة، فطلب من الله جل وعلا المهلة فاعطــاه إیاهــا، ولم یفکر ان یتوب او یصلح نفسـه، بل قال: « رَبِّ بِمَآ أَغْوَیْتَنِی لاَُزَیِّنَنَّ لَهُمْ فِی الاَرْضِ وَلاُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ* إِلاَّ عِبَادَکَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ » [۵۹] فاجابه تعالى : « إِنَّ عِبَادِی لَیْسَ لَکَ عَلَیْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْغَاوِینَ » [۶۰] وهذا یعنی ان على کل واحد منا وظیفة اساسیة فی شهر رمضان تتمثل فی القیام بالعبادات والمستحبات حتى یصل الى هذا المستوى، ویصبح من عباد الرحمان .
فلیکن أهم هدف وتطلع لنا فی حیاتنا، ان نصبح من عباد الله المخلصین، وان نعتصم بحبل الله سبحانه، ونبعد الوساوس الشیطانیة عن انفسنا.
فی استقبال العیـد
ما بقی من شهر الصیام إلاّ أیام وینقضی عنا، ونحن نقف على اعتاب نهایته، نودعه الى العام المقبل لنعیش من جدید اجواءه الروحانیة، ونزول ببرکاته وخیراته، لابد ان نتساءل : ماهو واجبنا فی الأیام المتبقیة من شهر رمضان الکریم ؟
واجبات رمضانیة
وللجواب على التساؤل نقول؛ لابد ان نلح على الله عز وجل فی ان یغفر لنا فیما بقی من شهر رمضان، إن لم یکن قد غفر لنا فیما مضى منه، وان لایدع هذا الشهر الکریم ینقضی عنا دون ان یشملنا بواسع رحمته. فلیالی شهر رمضان کلما اقتربت من نهایتها، کلما کانت أکثر استیعاباً للرحمة الالهیة، واستجابة الدعاء.
وفی لیلـة العید یغفــر الله عز وجل لعباده بقدر ما غفر لهم فی
لیالی رمضان بأجمعها. فان فاتتنا - لاقدر الله - المغفرة فیما مضى من هذا الشهر، فلنسع جاهدین من أجل ان لا تفوتنا فیما بقی منه، وهذا هو واجبنا الاول.
الواجب الثانی یتمثل فی ضرورة التهیؤ النفسی والسلوکی لاستقبال عید شهر رمضان. فکیف نستعد لهذا العید، بل ما هو هذا العید أساساً ؟
ان العید لیس إلاّ دعوة لمراجعة الماضی، واعادة النظر فیه، ومحاولة تحقیق مستقبل أفضل یثبت واقع الانسان الذی مضى لیبدأ مرحلة جدیدة ذات مواصفات جدیدة. فالعید یکرس الخصال الحمیدة التی اکتسبناها خلال شهر رمضان او فیما سبقه من الأیام.
ومن الناحیة المبدئیة هناک عیدان رئیسیان للمسلمین؛ العید الأوّل یحل بعد شهر رمضان، حیث یغتسل الانسان فی بحار رحمة الله تعالى، ویخرج من ذنوبه. اما العید الثانی - وهوعید الأضحى المبارک - فیأتی هو الآخر تتویجاً لرحلة اخرى یقوم بها الانسان اثناء الحج بجسمه، فی حین یقوم بها المسلمون فی کافة انحاء الارض ممن لم یوفقوا الى الحج بقلوبهم وأرواحهم، لتتوج هذه الرحلة فی نهایة المطاف بالعید.
تکریس للمکاسب الروحیة
وبنـاءً على ذلک فـان العیـد - فی معنـاه الدقیـق- هو تکریـس
وتثبیت لتلک المکاسب الروحیة التی حصل علیها الانسان المسلم خلال شهر رمضان، او اثناء أیام العشرة الأولى من شهر ذی الحجة التی تمثل موسم الحج.
وهکذا فان العید هو تثبیت للمکاسب السابقة، وتدشین للمرحلة القادمة، وتأکد من سلامة مواقعنا السابقة، وعزم على البدء بمرحلة جدیدة.
واذا کان العید هکذا، فان استقبالنا له ینبغی ان یکون وفق هذا الأفق والرؤیة، وذلک من خلال البرامج التی نرید ان نطبقها فیما بعد یوم العید.
اننا نکتسب فی کل عام خلال البرامج الروحیة لشهر رمضان آداباً ورؤى جدیدة، وبذلک یرتفع مستوانا الروحی على المستوى السابق ارتفاعاً ملحوظاً. وعلینا ان نکرس هذا الارتفاع فی العید أوّلاً ثم نبدأ بوضع برامج تفصیلیة للمرحلة القادمة، لکی نحافظ على هذا المقدار المبارک من المکاسب التی حصلنا علیها خلال شهر رمضان الفضیل، سواء کانت هذه المکاسب علمیة او روحیة او حتى سلوکیة.
ونحن نکتشف خلال هذا الشهر المبارک ان کل واحد منا یعانی من نقائص؛ کأن یکون فینا مقداراً من الکسل، او شیئاً من الضجر والقلق، او الأنانیة والذاتیة، او قدراً من الانطواء والانغلاق، او عدم الالتزام الکامل بالعهود والمواثیق، وعدم تطابق القول مع الفعل، وما الى ذلک من صفات سلبیة یکتشفها الواحد منا فی ذاته خلال شهر رمضان، ثم یعقد العزم الراسخ على ان یقتلعها بکل وسیلة ممکنة.
اننا إذا أردنا ان نقتلع هذه الصفات السلبیة من نفوسنا، فلابد من ان نضع لانفسنا برامج. فنحن لانستطیع ان نغیّر حیاتنا إلاّ من خلال هذه البرامج التربویة التی یجب ان نستغل کل لحظة من لحظات اوقاتنا فی سبیل وضعها، والتفکیر العمیق فیها، وذلک من خلال تنظیم هذه البرامج وفق المکاسب التی حصلنا علیها خلال أیام شهر رمضان.
تمتین للعلاقات الاجتماعیة
ومن البرامج المتعارف علیها فی العید عودة الانسان الى المجتمع. فمن العادات والتقالید المعروفة فی هذه المناسبة التزاور، والتهادی، وتبادل التهانی والتبریکات.
وبناء على ذلک فان أیام العید تعتبر فرصة ثمینة لتمتین اواصر العلاقات الاجتماعیة، لاننا اذا ترکنا هذه العلاقات تزداد سوءً وانهیاراً حتى تصل الى الصفر، فان من الصعب علینا - حینئذ - ان نعید بناء هذه العلاقات. فلا بد من ان نبقی هذه العلاقات فی مستوى، بحیث نستطیع ان نوثقها متى ما شئنا، ومتى ما شعرنا فی انفسنا بحاجة الى تمتینها.
ولذلک فـان من الواجب على کل واحد منا خـلال أیام العید،
أن یحاول اعادة علاقاته السابقة، کأن یکتب رسالة تهنئة او یتصل تلفونیاً ویزور اخوته وأقاربه او من تعرَّف علیه فی یوم من الأیام من خلال سفرة وفی أیام الدراسة.. ولیکن اهتمامنا فی هذا المجال منصباً على صلة الرحم.
ان الانسان لایمکنه ان یعیش من دون المجتمع. فالمجتمع لیس فکرة هُلامیة فی الفضاء، بل هو خلایا متصلة مع بعضها. أقرب هذه الخلایا الى انفسنا أسرتنا وأقاربنا، ثم شعبنا وأمتنا. ولابد ان نبدأ بالخلیة الأولى فنعمل على تمتین علاقتنا بها، ثم الخلیة الثانیة، والثالثة وهکذا.
وهناک حدیث شریف یقول : تهادوا تحابوا . [۶۱]فلنحاول ان نعطی من انفسنا لاخواننا بقدر ما نعطى. ففی هذه الحالة سوف لانخسر شیئاً، بل سنربح لاننا بهذا الاسلوب سوف نکسب حب الآخرین لنا، ونکرس حبنا فیهم. وسواء أحَـبّک الآخرون أم أحببتهم فان هذا یعد مکسباً عظیماً.
کم هو جمیل ان نشارک اولئک الذین لا عید لهم کالیتامى والأرامل والمرضى ونزلاء المستشفیات والغرباء المنبثّین هنا وهناک... وفی هذا المجال ینبغی ان نضع فی أیـّام العید برنامجاً لزیارة بیوت المساکین وتفقد احوالهم، وعیادة المرضى الذین لایستطیعون ان یعیشوا بهجة العید مع الآخرین، ولنشارک الضعفاء والمساکین والمستضعفین فرحتهم فی العید من خلال تقدیم العون والمساعدة لهم، ومن خلال الدعاء لهم، وزیارتهم فی بیوتهم، والاطلاع على اوضاعهم الاقتصادیة المتردّیة.
وفی هذا المجال علینا ان لا ننسى فی أیّام العید اخواننا المؤمنین فی السجون والمعتقلات، ولنحاول ان نفکر فیهم، وفی کیفیة انقاذهم من تحت سیاط الجلاّدین، ولننظر فی مدى عطائنا لشعوبنا الاسلامیة، ولنحاول ان نزید من عطائنا لهم عبر توعیتهم، وتزکیة نفوسهم، وتربیة الکوادر فیهم، والاهتمام بأوضاعهم، وما الى ذلک من اعمال وممارسات نستطیع بواسطتها ان نساهم فی انقاذهم، تجسیداً للمفهوم الحقیقی للعید. هذا المفهوم الذی یعنی بالدرجة الأولى تمتین الاواصر الاجتماعیة، ونشر المحبة والوئام بین اوساط المجتمع، والعمل على ازالة کل ما من شأنه الاخلال بوحدة وتلاحم المسلمین.
فی رحاب شهر الصیام
1/ شهر الله :
روی عن أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) أنه قال : إن رسول الله (صلى الله علیه وآله) خطبنا ذات یوم فقال : أیها الناس انه قد أقبل إلیکم شهر الله بالبرکة والرحمة والمغفرة. شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأیامه أفضل الأیام، ولیالیه أفضل اللیالی، وساعاته أفضل الساعات. هو شهر دعیتم فیه إلى ضیافة الله، وجعلتم فیه من أهل کرامة ألله. أنفاسکم فیه تسبیح، ونومکم فیه عبادة، وعملکم فیه مقبول، ودعاؤکم فیه مستجاب. فاسألوا الله ربکم بنیّات صادقة، وقلوب طاهرة أن یوفقکم لصیامه وتلاوة کتابه. فان الشقی من حرم غفران الله فی هذا الشهر العظیم. واذکروا بجوعکم وعطشکم فیه جوع یوم القیامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائکم ومساکینکم، ووقّروا کبارکم، وارحموا صغارکم، وصلوا أرحامکم، واحفظوا ألسنتکم، وغضّوا عمّا لایحل النظر إلیه أبصارکم، وعما لایحلّ الاستماع إلیه أسماعکم، وتحنّنوا على أیتام الناس یتحنّن على أیتامکم، وتوبوا الى الله من ذنوبکم، وارفعوا إلیه أیدیکم بالدعاء فی أوقات صلاتکم، فانها أفضل الساعات، ینظر الله عز وجل فیها بالرحمة الى عباده؛ یجیبهم إذا ناجوه، ویلبیهم إذا نادوه، ویعطیهم إذا سألوه، ویستجیب لهم إذا دعوه.
أیها الناس إن انفسکم مرهونة بأعمالکم ففکوها باستغفارکم، وظهورکم ثقیلة من أوزارکم فخفّفوا عنها بطول سجودکم، واعلموا ان الله أقسم بعزته أن لایعذّب المصلّین والسّاجدین، وأن لا یروعهم بالنار یوم یقوم الناس لرب العالمین.
أیها الناس من فطر منکم صائماً مؤمناً فی هذا الشهر کان له بذلک عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. قیل : یا رسول الله فلیس کلنا نقدر على ذلک. فقال (صلى الله علیه وآله) : اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء .
أیها الناس من حسن منکم فی هذا الشهر خلقه کان له جوازاً على الصراط یوم تزل فیه الأقدام، ومن خفّف فی هذا الشهر عمّا ملکت یمینه خفّف الله علیه حسابه، ومن کفّ فیه شرّه کفّ الله عنه غضبه یوم یلقاه، ومن أکرم فیه یتیماً أکرمه الله یوم یلقاه، ومن وصل فیه رحمه وصله الله برحمته یوم یلقاه، ومن قطع فیه رحمه قطع الله عنه رحمته یوم یلقاه، ومن تطوّع فیه بصلاة کتب الله له براءة من النار، ومن أدّى فیه فرضاً کان له ثواب من أدّى سبعین فریضة فیما سواه من الشهور، ومن أکثر فیه من الصلاة علیَّ ثقل الله میزانـه یوم تخف الموازیـن، ومن تلا فیه آیـة من القرآن کان له مثل أجر من ختم القرآن فی غیره من الشهور.
أیها الناس إن ابواب الجنان فی هذا الشهر مفتّحة، فاسألوا ربکم ان لا یغلقها عنکم، وأبواب النیران مغلقة فاسألوا ربکم ان لا یفتحها علیکم، والشیاطین مغلولة فاسألوا ربکم ان لا یسلطها علیکم.
قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : فقمت فقلت : یا رسول الله ما أفضل الأعمال فی هذا الشهر ؟ فقال : یا أبا الحسن أفضل الأعمال فی هذا الشهر الورع عن محارم الله[۶۲]
2/ إذا أهل هلال شهر رمضان :
روی عن أبی جعفر (علیه السلام)، انه قال : کان رسول الله (صلى الله علیه وآله) إذا أهلّ هلال شهر رمضان استقبل القبلة ورفع یدیه، فقال : اللهم أهلّه علینا بالأمن والایمان والسلامة والإسلام والعافیة المجلّلة والرزق الواسع ودفع الأسقام. اللهم ارزقنا صیامه وقیامه وتلاوة القرآن فیه، اللهم سلّمه لنا وتسلّمه منّا وسلّمنا فیه.[۶۳]
3/ غـرة الشهـور :
عن أبی عبد الله (علیه السلام)، قال : إنّ عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهراً فی کتاب الله یوم خلق السماوات والأرض. فغرّة الشهور شهر الله عزَّ ذکره، وهو شهر رمضان. وقلب شهر رمضان، لیلة القدر. ونزل القرآن فی أوّل لیلة من شهر رمضان، فاستقبل الشهر بالقرآن. [۶۴]
4/ حرمة شهر رمضان :
عن أبی بصیر قال : دخلنا على أبی عبد الله (علیه السلام) فقلت له: ما تقول فی الصلاة فی شهر رمضان ؟ فقال : لشهر رمضان حرمةٌ وحقٌ لا یشبهه شیء من الشهور، صلِّ ما استطعت فی شهر رمضان تطوُّعاً باللیل والنهار، فان استطعت ان تصلی فی کل یوم ولیلة ألف رکعة (فافعل). إنَّ علیاً (علیه السلام) فی آخر عمره، کان یصلّی فی کل یوم ولیلة ألف رکعة.[۶۵]
5/ الصوم جُنّة :
عن زرارة، عن أبی جعفر (علیه السلام) قال: بُنی الإسلام على خمسة أشیاء؛ على الصلاة، والزکاة، والحج، والصوم، والولایة. وقال رسول الله (صلى الله علیه وآله): الصوم جُنّة من النار. [۶۶]
6/ زکـاة الأبـدان :
عن أبی عبد الله، عن آبائه (علیهم السلام)؛ أن النبی (صلى الله علیه وآله) قال لأصحابه : ألا أخبرکم بشیء إن أنتم فعلتموه تباعد الشیطان منکم کما تباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا : بلى. قال : الصوم یسوِّد وجهه، والصدقة تکسر ظهره، والحبُّ فی الله والموازرة على العمل الصالـح یقطع دابره، والاستغفــار یقطع وتینــه. ولکل شیء زکاة، وزکاة الأبدان الصیام. [۶۷]
7/ الصوم لی :
عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال : إن الله تبارک وتعالى یقول : الصوم لی، وأنا أجزی علیه. [۶۸]
8/ واستعینوا بالصبر :
عن أبی عبد اللـه ( علیه السلام ) فـی قـول اللــه عـز وجل : « واستعینوا بالصبر » قال : الصبر الصیام. وقال : إذا نزلت بالرجل النازلة والشدیـدة، فلیصم. فإن الله عز وجل یقول : «واستعینوا بالصبر » یعنی الصیام.[۶۹]
9/ الصائم فی عبادة :
عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : الصائم فی عبادة، وإن کان على فراشه، مالم یغتب مسلماً. [۷۰]
10/ للصائم فرحتان :
عن أبی عبد الله (علیه السلام) أنه قال : للصائم فرحتان ؛ فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربّه. [۷۱]
11/ عتقاء الله من النار :
عـن محمد ابن مروان قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السلام)
یقول : ان لله عز وجل فی کل لیلة من شهر رمضان عتقاء وطلقاء من النار، إلاّ من أفطر على مسکر. فإذا کان فی آخر لیلة منه، أعتق فیها مثل ما أعتق فی جمیعه. [۷۲]
12/ فیه تقسم الارزاق :
عن اسحاق بن عمار عن المسمعی أنه سمع أبا عبد الله (علیه
السلام) یوصی ولده إذا دخل شهر رمضان : فاجهدوا أنفسکم؛ فان فیه تقسم الارزاق وتکتب الآجال، وفیه یکتب وفد الله الذیـن یفدون إلیه، وفیه لیلـةٌ العمل فیها خیر من العمل فی ألف شهر.
13/ الشهر المرزوق :
عن علی بن أبی حمزة الثمالی قال : کنت عند أبی عبد الله (علیه السلام) فقال له أبو بصیر : فی حدیث.. فقال لی : یا أبا محمد، وفد الحاج یکتب فی لیلة القدر، والمنایا والبلایا والارزاق وما یکون الى مثلها فی قابل. فاطلبها فی لیلة احدى وعشرین وثلاث وعشرین، وصلِّ فی کل واحدة منهما مائة رکعة، وأحیهما إن استطعت الى النور، واغتسل فیهما. قال : قلت : فان لم اقدر على ذلک وأنا قائم ؟ قال : فصلِّ وأنت جالسٌ. قلت : فان لم أستطع. قال : فعلى فراشک. لا علیک أن تکتحل أوّل اللیل بشیء من النوم، إنّ ابواب السماء تفتح فی رمضان وتصفّد الشیاطین وتقبل أعمال المؤمنین. نعم الشهر رمضان، کان یسمى على عهد رسول الله (صلى الله علیه وآله) المرزوق. [۷۳]
14/ فلیصم سمعک وبصرک :
قــال أبو عبـد الله (علیه السلام) : إذا صمت، فلیصـم سمعک
وبصرک من الحرام والقبیح، ودع المراء وأذى الخادم، ولیکـن علیــک وقار الصیام، ولا تجعل یوم صومک کیوم فطرک. [۷۴]
15/ ما أطیب ریحک وروحک :
قال أبو عبد الله (علیه السلام) : من صام لله عز وجل یوماً فی شدَّة الحرِّ فأصابه ظمأ، وکّل الله به ألف ملک یمسحون وجهه ویبشّرونه، حتّى إذا أفطر قال الله عز وجل له : ما أطیب ریحک وروحک. ملائکتی اشهدوا أنّی قد غفرت له. [۷۵]
16/ من لم یغفر له فی شهر رمضان :
عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال : من لم یغفر له فی شهر رمضان، لم یغفر له إلى قابل، إلاّ ان یشهد عرفة.[۷۶]
17/ سید الشهور :
عن أبی جعفر (علیه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) لمّا حضر شهر رمضان، وذلک فی ثلاث بقین من شعبان قال لبلال : ناد فی الناس. فجمع الناس، ثم صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى علیه، ثم قال : أیها الناس إنّ هذا الشهر قد خصّکم الله به وحضرکم وهو سیّد الشهور، لیلة فیه خیر من ألف شهر، تغلق فیه أبواب النار وتفتح فیه أبواب الجنان، فمن أدرکه ولم یغفر له فأبعده الله، ومن أدرک والدیه ولم یغفر له فأبعده الله، ومن ذکرت عنده فلم یصلِّ علیَّ فلم یغفر الله له فأبعده الله. [۷۷]
18/ التفرغ للعبادة :
قـال أبو عبد الله (علیه السلام) : کان رسول الله (صلى الله علیه وآله) إذا دخل العشر الأواخر شدَّ المئزر، واجتنب النساء، وأحیى اللیل، وتفرَّغ للعبادة. [۷۸]
پانویس
- ↑ من أدعیة شهر رجب / مفاتیح الجنان / ص 133.
- ↑ بحار الأنوار / ج 86 / ص 316 / روایة 67.
- ↑ (البقرة / 9)
- ↑ (المؤمنون / 99- 100)
- ↑ (المؤمنون / 100)
- ↑ مفاتیح الجنان / أدعیة شهر شعبان / ص 156
- ↑ الوسائل / ج 7 / ص 227
- ↑ بحار الأنوار / ج 85 / ص 8.
- ↑ (البقرة / 183)
- ↑ الوسائل / ج 7 / ص 227.
- ↑ بحار الأنوار / ج 2 / ص 88 / روایة 12.
- ↑ (عبس/13-16)
- ↑ بحار الأنوار / ج 43 / ص 291 / روایة 54.
- ↑ (القدر /1)
- ↑ (القمر / 17)
- ↑ بحار الأنوار / ج 74 / ص 337 / روایة 116.
- ↑ بحار الأنوار / ج 96 / ص 357 / روایة 25.
- ↑ المصدر.
- ↑ (عبس/11 - 23).
- ↑ بحار الأنوار / ج 6 / ص 40 / روایة 73
- ↑ (النور / 31)
- ↑ بحار الأنوار / ج 6 / ص 23 / روایة 26.
- ↑ (الشورى / 36 - 43)
- ↑ (المؤمنون / 103)
- ↑ » (المؤمنون /105 - 108)
- ↑ نهج البلاغة / خ 28
- ↑ ( الصافات / 61)
- ↑ بحار الأنوار / ج 98 / ص 246 / روایة 4.
- ↑ (الرعد / 19 - 20)
- ↑ (الرعد / 22)
- ↑ (الانعام/129)
- ↑ (الانعام/65)
- ↑ (هود/27)
- ↑ ( البقرة / 183 )
- ↑ بحار الأنوار / ج 96 / ص 294 / روایة 24
- ↑ بحار الأنوار / ج 91 / ص 80 / روایة 3
- ↑ (محمد / 24)
- ↑ (البقرة / 88)
- ↑ (المؤمنون / 99 -100 )،
- ↑ (المؤمنون / 100)
- ↑ (النجم / 32).
- ↑ (الجاثیة / 21)
- ↑ مفاتیح الجنان / من أدعیة شهر شعبان.
- ↑ بحار الأنوار / ج 16 / ص 210.
- ↑ بحار الأنوار / ج 71 / ص 170 / روایة 1.
- ↑ بحار الأنوار / ج 71 / ص 171 / روایة 2.
- ↑ بحار الأنوار / ج 11 / ص 313 / روایة 6.
- ↑ بحار الأنوار / ج 73 / ص 291 / روایة 18.
- ↑ (النساء / 103)
- ↑ (البقرة / 238)
- ↑ (التحریم / 6)
- ↑ (طه /132)
- ↑ بحار الأنوار / ج 92 / ص 22 / روایة 22.
- ↑ (الفرقان / 27)
- ↑ بحار الأنوار / ج 2 / ص 153 / روایة 2.
- ↑ بحار الأنوار / ج 8 / ص 304 / روایة 63.
- ↑ بحار الأنوار / ج 96 / ص 192 / روایة 9.
- ↑ (البقرة/ 273)
- ↑ (الحجر/ 39 - 40)
- ↑ (الحجر / 42)
- ↑ بحار الأنوار / ج 77 / ج 115 / روایة 7.
- ↑ وسائل الشیعة / ج 7 / ص 227 - 228/ ابواب احکام شهر رمضان.
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 70 - 71 / روایة 1.
- ↑ المصدر / ص 65 - 66 / روایة 1.
- ↑ المصدر / ص 154 / روایة 1.
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 62 / روایة 1.
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 62 / روایة 2
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 63 / روایة 6
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 63 - 64 / روایة 7
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 64 / روایة 9
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 65 / روایة 15
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 68 / روایة 7
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 156-157 / روایة 2
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 87-88 / روایة 3.
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 64 / روایة 8
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 66 / روایة 3
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 67 / روایة 5
- ↑ الکافی / ج 4 / ص 155 / روایة 3







